جريدة الزمن
2011/3/30

لقد تحدثنا في الأسابيع الماضية عن الركن الأول والثاني من أركان القرار الإداري، وهما ركنا السبب والشكل، وأوضحنا بأنَّ كل قرار إداري لابد وأن يصدر بناء على سبب قانوني أو واقعي، وبأن يصدر وفقاً للشكل والإجراءات التي يتطلبها القانون، وسنستكمل حديثنا في هذا اليوم عن الركن الثالث من الأركان التي تقوم عليها القرارات الإدارية، وهو ركن الاختصاص الواجب مراعاته من قبل الإدارة عند إصدار قراراتها؛ لأن عيب عدم الاختصاص من العيوب التي يجعلها رافع الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري سنداً لدعواه وصولاً للقضاء بعدم صحة القرار المطعون فيه، إذ تنص المادة (8) من قانون محكمة القضاء الإداري على أنَّه : "يتعين أن يكون سند الدعوى في الدعاوى المتعلقة بمراجعة القرارات الإدارية، عدم الاختصاص، أو عيباً في شكل القرار أو سببه، أو مخالفة القوانين أو اللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة".

ركن الاختصاص في القرار الإداري:
تعد فكرة الاختصاص من الأفكار الرئيسية التي يتسم بها القانون العام فيستطيع رجل الإدارة بمقتضى الاختصاص المخوَّل له بأن يتفرَّغ لنوع من الأعمال يجيده بمضي الزمن، فيتحقق بذلك إنجاز الأعمال الإدارية، كما تعمل فكرة الاختصاص على تحديد المسؤولية وسهولة توجيه الأفراد في أقسام الإدارة المتعددة، هذا ويكون تحديد الاختصاص بنصوص القانون، وذلك إذا عهد القانون إلى جهة أو شخص مباشرة اختصاص معين، وكذلك ما تصدره وحدات الجهاز الإداري للدولة من قرارات بتحديد الاختصاصات الممنوحة لها بموجب القانون وتوزيعها وفق تقسيماتها الإدارية المختلفة، لذلك يمكن القول بأنه يقصد بالاختصاص الصلاحية أو الأهلية القانونية الموكولة بموجب القانون لإدارة معينة على مباشرة عمل إداري معين، وحينما يصدر القرار الإداري عن سلطة لا تملك الأهلية القانونية لإصداره ؛ فانَّ القرار يكون قد صدر مشوباً بعيب عدم الاختصاص؛ لذلك فإنَّه حتى يكون القرار الإداري مشروعاً يلزم أن يصدر ممَّن يملك الاختصاص بإصداره، فلا يجوز أن يصدر القرار من المدير العام مثلاً أو مدير الدائرة، إذا كان القانون قد حدد المختص بإصدار القرار لشخص آخر كالوزير أو وكيل الوزارة أو مستوى إداري معيَّن أو لجنة معينة؛ لذلك فإنَّ قيام شخص آخر لا يتمتع بأي تفويض أو صلاحية بإصدار القرار فيكون في هذه الحالة القرار صادرا من غير مختص، وتطبيقاً لذلك فمن مبادئ الدائرة الاستئنافية بمحكمة القضاء الإداري في هذا الشأن قضائها بأن: "صدور القرار من مجلس الكلية وليس من مديرها أو عميدها فإنه يكون قد صدر من غير مختص بإصداره، ويكون بذلك قد خالف القانون، أثر ذلك الحكم بعدم صحته". وذلك لأن القانون في موضوع هذا الحكم قد حدد مدير الكلية أو عميدها بأنَّه المختص بإصدار قرار فصل الطالب من الكلية، وعلى الخلاف من ذلك صدر قرار الفصل من مجلس الكلية، مما يعيب القرار بعيب عدم الاختصاص. كما قضت بأنَّه: "إذا حدد القانون سلطة إصدار قرار وقف منشأة عن العمل لأنها تعمل دون الحصول على ترخيص بيئي يكون بمقتضى قرار يصدره الوزير ثم صدر القرار من مدير البلدية فيكون ذلك القرار قد صدر معيباً بعيب عدم الاختصاص، الأثر المترتب على ذلك عدم صحة القرار".
وقواعد تحديد الاختصاص من النظام العام لأنها مقررة للصالح العام، عليه وتطبيقاً لذلك قضت الدائرة الاستئنافية بمحكمة القضاء الإداري بأن: "عيب عدم الاختصاص الذي يعيب القرار الإداري هو العيب الوحيد من عيوب القرار الإداري الذي يعتبر من النظام العام، وأن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى".
وعيب عدم الاختصاص كعيب من عيوب القرار الإداري ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: عدم الاختصاص الموضوعي، وعدم الاختصاص المكاني وعدم الاختصاص الزماني، وسنتناول ذلك بالحديث وفق الآتي:
1- عدم الاختصاص الموضوعي: يقصد بعدم الاختصاص الموضوعي قيام إحدى الجهات الإدارية بمباشرة عمل إداري معين لا تملك قانوناً سلطة التقرير فيه، كون أن ذلك العمل أو التصرف يدخل بالأصل ضمن سلطة وصلاحية جهة إدارية أخرى. 2- عدم الاختصاص المكاني: يقصد بعدم الاختصاص المكاني أن المشرع في الغالب الأعم يحدد للإدارة نطاق إقليمي تعمل فيه بحيث يكون من الواجب عليها أن تحترم ذلك النطاق عند إصدار قراراتها التي تقع تحت سلطتها، وإلا اعتبرت تلك القرارات الصادرة خارج نطاقها الإقليمي معيبة بعيب عدم الاختصاص المكاني، فمثلاً: إذا صدر قرار من وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه في نطاق الاختصاص المكاني لبلدية مسقط أو بلدية ظفار فيكون قد صدر مشوبا يعيب عدم الاختصاص المكاني. 3- عدم الاختصاص الزمني: يقصد بعدم الاختصاص الزمني أن يصدر القرار الإداري في فترة زمنية لا يكون الاختصاص منعقداً للشخص الذي أصدره، أي أن يصدر القرار إما قبل منح الاختصاص لمصدر القرار، أو بعد انتهاء المدة التي كان يحق له فيها مباشرة الاختصاص، فمثلاً: إن الموظف الممنوح اختصاص ما يستطيع القيام به ما دام أن ذلك الموظف يتمتع بولاية الوظيفة العامة، وبانتهاء هذه الولاية سواء بانتهاء الخدمة بالفصل أو التقاعد أو الاستقالة أو بفقدانه صفة الموظف العام ينتهي معه هذا الاختصاص، ويكون القرارات الصادرة عنه في مثل هذه الحالات قد صدرت من غير مختص.
حالات عيب عدم الاختصاص: تميز أحكام محكمة القضاء الإداري عند نظر الطعون التي توجه ضد القرارات الإدارية، استناداً لعيب عدم الاختصاص في القرارات الإدارية بين صنفين من تلك العيوب وهما: إما أن يكون العيب الذي لحق بالقرار عيباً جسيما أو ما يطلق عليه اصطلاحاً (عيب اغتصاب السلطة) وعيب الاختصاص البسيط، ولهذه التفرقة أهميتها، في حالات عيب عدم الاختصاص الجسيم تقضي المحكمة بانعدام القرار وتلتفت عن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، فالقرار المنعدم لا تلحقه حصانة؛ لأنه لا يمكن الاعتراف به في الواقع القانوني، بينما القرار الذي لحقه عيب عدم الاختصاص البسيط تقضي المحكمة فيه بالبطلان لا الانعدام، كما يمكن القضاء بعدم قبول الدعوى بشأنه لرفعها بعد المواعيد، وفيما يلي سنوضح العيبين المذكورين:
أ- عيب عدم الاختصاص الجسيم (اغتصاب السلطة): ويتمثل هذا العيب في حالتين: أولهما: قيام فرد عادي ليست له صفة الموظف العام بإقحام نفسه في شؤون الإدارة دون سند قانوني ودون صفة، فيقوم باتخاذ قرارات إدارية بدلاً من الموظفين العامين الذين يملكون هذا الاختصاص، أو أن يقوم موظف بإصدار قرار وهو لا يملك أصلاً إصدار القرار بالمنح أو بالمنع، أو أن يصدر القرار من سلطة إدارية في نطاق الوظيفة الإدارية عموماً ولكنه يتضمن اعتداء على سلطة إدارية لا تربطها بالإدارة مصدرة القرار أية صلة، فتعتبر القرارات المتخذة من ذلك الفرد أو تلك الهيئة من قبيل اغتصاب السلطة، وتكون مثل تلك القرارات معدومة ولا يكون لها آي أثر قانوني. ثانيهما: في حالة اعتداء الإدارة على اختصاص التشريع كأن يتناول القرار الإداري تنظيم أمر لا يمكن تنظيمه إلا بقانون، أو اعتداء الإدارة على اختصاص القضاء، كأن تحاول مثلاً فض نزاع بموجب قرار إداري في منازعات تكون من اختصاص القضاء، وفي هذه الحالة يكون القرار معدوماً ولا ينتج عنه أي أثر قانوني. ب- عيب الاختصاص البسيط: ويأخذ عيب عدم الاختصاص البسيط صوراً عدة منها: 1- اعتداء سلطة إدارية على اختصاص سلطة إدارية موازية لها، ولا يكون ذلك إلا في حالات غموض الاختصاصات أو تداخلها بين عدة وزارات. 2- اعتداء سلطة إدارية أدنى على اختصاص سلطة إدارية أعلى منها، كأن يصدر مدير دائرة قراراً هو في الأصل من اختصاص الوزير أو المدير العام. 3- اعتداء الرئيس على اختصاص المرؤوس، فلا يكون للرئيس أن يحل نفسه محل المرؤوس في اتخاذ قرار إذا كان القانون يمنح ذلك الاختصاص للمرؤوس وحده، وإلا كان القرار مشوباً بعيب عدم الاختصاص. أما إذا أخضع القانون المرؤوس في مزاولة هذا الاختصاص للرقابة الرئاسية فإنَّ على الرئيس في هذه الحالة أن ينتظر حتى يستعمل المرؤوس اختصاصه ثم له الحق في مباشرة رقابته على ذلك العمل. 4- اعتداء سلطة مركزية على اختصاص سلطات لا مركزية تتمتع باستقلال مقرر قانونا كما هو الحال في الاختصاصات الموزعة في الهيئات بين إدارة الهيئة ومجالس إداراتها أو في العلاقة بين الجامعات أو الكليات والوزارات التي لها سلطة الإشراف عليها، فليس للسلطات المركزية أن تحل نفسها محل السلطات اللامركزية في اتخاذ القرارات وإلاَّ كان قرارها صادراً ممن لا يملكه قانوناً ومشوب بعيب عدم الاختصاص. 5- اعتداء السلطات اللامركزية على اختصاص السلطات المركزية كأن تقوم مديرية عامة بإحدى المحافظات أو المناطق بإصدار قرار هو في الأصل من اختصاص الوزير، فيكون ذلك القرار قد صدر معيباً بعدم الاختصاص.
هذا وسوف نستكمل الحديث في الأسبوع المقبل إن شاء الله عن الركن الرابع من أركان القرار الإداري وهو ركن المحل في القرار الإداري.