محتوي اخر المواضيع هنا


منتدى القانون الاداري هذا القسم يتضمن جميع المواضيع ذات الصلة بالقانون الاداري

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-19-2010, 12:52 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
محامية عمانية
اللقب:
عضو مميز
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محامية عمانية

البيانات
التسجيل: Nov 2009
العضوية: 1249
المشاركات: 637 [+]
بمعدل : 0.37 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محامية عمانية غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى القانون الاداري
افتراضي أعمال السيادة

إعداد
الباحث القانوني
تركي سطام المطيري

إشراف
المستشار القانوني
د. عبدالقادر عثمان

نوفمبر 2000م


المقدمة

تختص السلطة التنفيذية - وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات - بمهمة تنفيذ القوانين والمحافظة على سير المرافق العامة بانتظام واضطراد ، ولا يخفي ما لهذا الاختصاص من أهمية وخطورة ، حيث يتعلق بكل فرد من أفراد الشعب ويمس حقوقه وحرياته ، ولذلك كان الخوف من إساءة السلطة التنفيذية لاستعمال اختصاصاتها ، ومخالفتها للقانون ، وتعديها على حقوق الأفراد وحرياتهم .

ومن أجل تجنب هذه النتائج الخطيرة برزت فكرة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية كضمان للالتزام بتطبيق القانون والمحافظة على حقوق الأفراد وحرياتهم ، وتنقسم الرقابة إلى ثلاثة أنواع : الرقابة الإدارية أو الذاتية التي تقوم بها الإدارة بنفسها ، والرقابة السياسية التي يقوم بها البرلمان والرقابة القضائية التي تقوم بها السلطة القضائية .

والحقيقة أن أفضل أنواع الرقابة هي الرقابة القضائية ، وذلك نظراً لما تتمتع به السلطة القضائية من استقلال عن باقي السلطات ، وما تتصف به من حيدة ونزاهة ، وبناء عليه فإن السلطة القضائية تختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والدولة أو فيما بين الأفراد أنفسهم ، وتقوم ببسط رقابتها على أعمال السلطة التنفيذية لفحص مشروعيتها -أي اتفاقها مع القانون- والحكم بإلغائها أو التعويض عنها أو كلا الأمرين معا إذا قضت بعدم مشروعيتها .

إلا أن الأمر -في الواقع- ليس بهذه البساطة فلا تزال بعض أعمال السلطة التنفيذية بمنأى عن الرقابة القضائية ، ومن هذه الأعمال ما يسمى 'بأعمال السيادة' أو 'أعمال الحكومة' ، حيث يمنع القضاء من نظر مثل هذه الأعمال إما بنصوص تشريعية أو باجتهادات قضائية مستقرة .

لقد أثارت نظرية أعمال السيادة الكثير من الخلافات الفقهية والقضائية ما لم تثره أي نظرية أخرى من نظريات القانون ، وكتب فيها الكثير من الأبحاث والدراسات والرسائل ، ويرجع ذلك لأهمية هذه النظرية ، وخطورة النتائج المترتبة على وجودها في عالم القانون .

ولذلك رأينا أن تكون هذه النظرية هي موضوع هذه الدراسة وقد بحثنا هذه النظرية على الوجه الآتي :

المبحث الأول : ماهية أعمال السيادة :
المطلب الأول : الأصل التاريخي لنظرية أعمال السيادة .
المطلب الثاني : تعريف أعمال السيادة .
المطلب الثالث : معيار أعمال السيادة .

المبحث الثاني : الأساس القانوني لنظرية أعمال السيادة .

المبحث الثالث : تقييم نظرية أعمال السيادة :
المطلب الأول : موقف الفقه من نظرية أعمال السيادة .
المطلب الثاني : موقف القضاء من نظرية أعمال السيادة .

المبحث الرابع : نظرية أعمال السيادة في الكويت :
المطلب الأول : موقف المشرع الكويتي من نظرية أعمال السيادة .
المطلب الثاني : موقف القضاء الكويتي من نظرية أعمال السيادة .

المبحث الأول
ماهية أعمال السيادة

نناقش في هذا المبحث ماهية أعمال السيادة من خلال ثلاثة مطالب : نبحث في المطلب الأول كيف نشأت أعمال السيادة وأصلها التاريخي ، ثم نبحث في المطلب الثاني تعريف أعمال السيادة ، وأخيراً نبحث في المطلب الثالث معيار أعمال السيادة .

المطلب الأول
الأصل التاريخي لنظرية أعمال السيادة

بعد قيام الثورة الفرنسية عمل رجالها على منع القضاء من التدخل في عمل الإدارة نهائياً ، وكان سبب ذلك هو ما كان يحمله رجال الثورة من صورة سيئة للقضاء وكثرة تدخله في أعمال الإدارة وتعطيلها عن القيام بمهامها واختصاصاتها ، وقد سّوغ رجال الثورة الفرنسية هذا الأمر بالاستناد إلى مبدأ الفصل بين السلطات ، حيث فسروا هذا المبدأ تفسيراً صارماً وخاصاً بهم ، وعدّوا أن هذا المبدأ يقضي بألا يتدخل القضاء في عمل الإدارة بتاتاً ، ولقد كشفت الأيام عدم صدق هذا التفسير ومخالفته لأبسط قواعد المنطق القانوني السليم .

وبناء على ما سبق فقد كان القضاء ممنوعاً من التدخل في أعمال الإدارة وقراراتها ، وسميت هذه المرحلة بمرحلة 'الإدارة القاضية' ، حيث كانت الإدارة تقوم بنفسها - بالفصل في المنازعات التي تنشأ بينها وبين الأفراد ، ولا يخفي ما في هذا الأمر من مخالفة لمبادئ القانون العامة التي تقضي بعدم جوز اجتماع صفتي الخصم والحكم في شخص واحد .

ولذلك لم تظهر أعمال السيادة في هذه المرحلة لعدم جدواها ، فالقاعدة السائدة في ذلك الوقت هي عدم مسئولية الإدارة عن أعمالها(1) .

وفي مرحلة لاحقة وبالأحرى في ظل الإمبراطورية الفرنسية الأولى ، أنشأ نابليون بونابرت مجلس الدولة الفرنسي ليقوم بمهام تساعد الإدارة في عملها ، ومن أهم هذه المهام حق الفصل في الطعون والتظلمات التي تقدم ضد القرارات التي تصدر من الإدارة(2) ، إلا أن حكمه في هذه الطعون لم يكن نهائياً حيث كان يلزم تصديق الإمبراطور عليه ليكون نافذاً ، وسميت هذه المرحلة بمرحلة 'القضاء المحجوز' .

وفي مرحلة لاحقة - وبالتحديد بعد سقوط الإمبراطورية الأولى وعودة الملكية إلى فرنسا سنة 1814م - كان مجلس الدولة ينظر إليه بعين الشك والريب ، حيث أنه يعد من مخلفات النظام البائد وامتداداً لحكم نابليون ، لذلك كانت رغبة رجال النظام الجديد هي إزالة هذا الكيان والقضاء عليه ، فإن لم يكن فعلى الأقل تقليص نفوذه والحد من رقابته على أعمال الإدارة ، فعملوا على انتظار أول فرصة للاحتكاك والاصطدام به ، إلا أن قضاة مجلس الدولة تنبهوا لهذا الأمر وأدركوا مقاصد النظام الجديد ، ولذلك عملوا جاهدين من أجل تجنب الاصطدام بالنظام حتى يحافظوا على وجود المجلس واستمراره، ومن هنا ظهرت نظرية أعمال السيادة على يد مجلس الدولة والتي بموجبها أخرج عدداً من أعمال الإدارة السياسية المهمة من رقابته ، وذلك منعاً للاصطدام بالحكومة ومحاولة منه لكسب ثقتها ، ويجمع شراح القانون العام على أن هذا التصرف من المجلس يعد سياسة حكيمة للحفاظ على كيانه .

ومن الصدف الغريبة التي واجهت مجلس الدولة الفرنسي وقت إقرار هذه النظرية أنه اعترف بها في قضية تتعلق بأسرة نابليون بونابرت صاحب الفضل في وجوده ، وموضوعها رفض النظام الحاكم تسليم أموال تم التبرع بها لعائلة بونابرت وتقريره حرمانها كلية من هذه الأموال ، وعرض النزاع على مجلس الدولة ليقول كلمته في مدى مشروعية هذا التصرف الحكومي وفي مدى أحقية الأسرة المدعية في هذه الأموال ، وكان رأي المجلس أن هذه المطالبة تتعلق بمسألة سياسية لا يختص هو بالفصل فيها وإنما يكون التقرير فيها أصلا للحكومة(3) .

ثم عادت الإمبراطورية الثانية واسترد المجلس مركزه السابق وثقة الحكومة ، وكان المجلس قد قطع شوطاً كبيراً في إخضاع الكثير من أعمال الإدارة لرقابته ، ومن أجل المحافظة على ما قام به لإرساء مبدأ المشروعية ، وحتى لا يضيع هذا الجهد العظيم ، ترك المجلس للإدارة - وعلى رأسها الإمبراطور - قدراً كبيراً من الحرية حتى لا يعوقها بتدخله ورقابته(4) .

وفي ظل الجمهورية الثالثة كانت الأوضاع القانونية قد استقرت ، ورسخت دعائم مبدأ المشروعية في فقه القانون ، وتدخل المشرع ليسجل ما أحرزه من تطور ، وختم كل ذلك بأن جعل للمجلس سلطة القضاء النهائي وكان ذلك بقانون 24 مايو سنة 1872، وسميت بمرحلة 'القضاء المفوض'(5) .

وكان يعتقد أن مجلس الدولة الفرنسي قد قبل هذه النظرية مكرهاً ، وأنه بعد منحه سلطة القضاء المفوض سينهال على أعمال السيادة بأحكام تزج

بها إلى المقصلة في ميدان الباستيل ، ولكن العكس هو الذي حدث تماماً ، إذ استمر المجلس واضطرد في أحكامه اللاحقة على سنة 1872على الاستناد لهذه النظرية حاكماً بعدم اختصاصه ببعض الأعمال التي سماها بأعمال السيادة تارة وبالأعمال السياسية تارة أخرى ، وما تزال تطبيقات النظرية موجودة في القضاء الإداري الفرنسي إلى الآن(6) .

وبعد هذا السرد التاريخي لكيفية ظهور أعمال السيادة ، يتبين لنا أن هذه النظرية سياسية البواعث قضائية الصنع ، إلا أننا وإن كنا نقبل ظهورها في ظل الأوضاع والضغوط التي كانت موجودة عند نشأتها إلا إننا نستغرب بقاءها بعد زوال أسباب ظهورها ، بل وفي ظل التطور الكبير الذي ساد في عالم القانون ، وخاصة فيما يتعلق بمبدأ المشروعية وسيادة القانون .
______________________________________
(1) د. سليمان الطماوي : النظرية العامة للقرارات الإدارية - الطبعة السادسة 1991م - ص130 .
(2) محمد عبدالسلام : أعمال السيادة في التشريع المصري - بحث منشور في مجلة مجلس الدولة التي يصدرها مجلس الدولة المصري - السنة الثانية - يناير 1951م - ص9 .
(3) د. رأفت فودة : مصادر المشروعية ومنحنياتها- دار النهضة العربية 1994م - ص202 .
(4) د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره -ص130 .
(5) د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره -ص130 .
(6) د. رأفت فودة : مرجع سبق ذكره - ص202 ، 203 .

-----------------------------------------------------------------------------

المطلب الثاني
تعريف أعمال السيادة

لقد حاول الفقه والقضاء وضع تعريف لأعمال السيادة ، وباستعراض هذه التعريفات يمكن تصنيفها إلى الطوائف التالية :

أ - الطائفة الأولى : وتركز هذه الطائفة من التعريفات على جانب نفي خضوع أعمال السيادة لرقابة القضاء بجميع صورها ، ومن أمثلة هذه التعريفات نرى أن البعض يعرف عمل السيادة بأنه : 'طائفة من أعمال السلطة التنفيذية تتمتع بحصانة ضد رقابة القضاء بجميع صورها أو مظاهرها ، سواء في ذلك رقابة الإلغاء أو رقابة التعويض أو رقابة فحص المشروعية'(1) .

والحقيقة أن هذه الطائفة تشمل الجانب الأكبر من محاولات الفقه لتعريف أعمال السيادة ، إلا إن هذه التعريفات لم توضح لنا المقصود بأعمال السيادة ولم تكشف لنا حقيقة هذه الأعمال ، وكل ما عملته هو تعريف عمل السيادة بطريقة سلبية معتمدة على النتيجة المتحققة من اكتساب عمل ما لصفة السيادة وهي عدم خضوعه لرقابة القضاء .

ب -الطائفة الثانية : وتركز هذه الطائفة في تعريفها لأعمال السيادة على جانب الجهة التي تملك تكييف العمل والحكم على ما إذا كان يعد من أعمال السيادة أم لا وهذه الجهة تتمثل في القضاء ، وعليه فتعرف هذه الطائفة عمل السيادة بأنه : 'كل عمل يقرر له القضاء الإداري هذه الصفة'(2)
وهذا التعريف أيضاً قاصر عن تحديد ماهية أعمال السيادة ، بل إنه لم يتعرض لطبيعة عمل السيادة وعناصره ، وكل ما قام به هو التأكيد على أن القضاء هو الجهة المخولة بتكييف عمل السيادة .

ج -الطائفة الثالثة : وتركز هذه الطائفة في تعريفها لأعمال السيادة على إظهار الجانب السياسي المرتبط بهذه الأعمال ، كما تركز على تحديد الحكمة من تحصين هذه الأعمال من رقابة القضاء وهي تعلقها بمصالح الدولة العليا ، ومن أمثلة هذه الطائفة تلك التي تعرف عمل السيادة على أنه 'العمل الذي تباشره الحكومة - بمقتضى سلطتها العليا - في سبيل تنظيم القضاء والإدارة والنظام السياسي والدفاع عن كيان الدولة وسلامتها في الداخل والخارج …'(3) ، أو كما عرفته محكمة القضاء الإداري في مصر بأنه : 'العمل الذي يتصل بالسيادة العليا للدولة والإجراءات التي تتخذها الحكومة بما لها من سلطان الحكم للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل والخارج'(4) .

والحقيقة أنه رغم تميز تعريفات هذه الطائفة على ما سبقها ورغم أنها كانت أكثر نجاحاً وتوفيقاً في تعريفها لعمل السيادة إلا أنه يعيبها اعتمادها على ألفاظ ومفردات واسعة ومطاطة تفتقر للدقة والضبط والتحديد ، عجزت عن إعطائنا تعريفاً دقيقاً لأعمال السيادة ولم تكشف لنا طبيعة هذه الأعمال وعناصرها الموضوعية .

وبعد هذا العرض لمحاولات الفقه والقضاء لوضع تعريف جامع مانع لأعمال السيادة ، يتبين لنا أن كل هذه المحاولات لم تحقق هذا الهدف ، وهذا ما أعلنته صراحة محكمة القضاء الإداري في مصر حيث قضت بأنه : '… لم يتيسر وضع تعريف حاسم أو حصر دقيق لأعمال السيادة ، إذ أن ما يعتبر عملاً إدارياً عادياً قد يرقى في ظروف وملابسات سياسية في دولة ما إلى مرتبة أعمال السيادة ، كما أن ما يعتبر من أعمال السيادة قد يهبط في ظروف أخرى إلى مستوى الأعمال الإدارية …'(5) .

ويرجع عجز هذه المحاولات في رأينا إلى غموض نظرية أعمال السيادة وعدم قيامها على سند متين من المنطق والقانون ، بل ومخالفتها لمبدأ المشروعية وسيادة القانون ، إلا أنه - رغم ذلك - يجب أن يحمد للفقه والقضاء قيامه بهذا الدور ومحاولته تحديد أعمال السيادة من أجل تقييدها وضبطها حتى لا تكون واسعة المدى في الوقت الذي تشكل فيه اعتداء على حقوق وحريات الأفراد .
______________________________________
(1) د. محمود حافظ : القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن - دار النهضة العربية 1993- ص53 ، 54 .
(2) صاحب هذا التعريف هو العميد الفرنسي هوريو وقد ذكره في كتابه الموجز في القانون الإداري - طبعة 1933 - ص418 (نقلاً عن : د.سليمان الطماوي - مرجع سبق ذكره - ص135) .
(3) محمد حامد فهمي : قانون المرافعات (نقلاً عن : د. أحمد مليجي - تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائي - دار النهضة العربية - ص302) .
(4) حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 5-2-1952 في الدعوى رقم 588 - السنة 5 ق - مجموعة الأحكام - السنة السادسة - ص416 (نقلاً عن د. طعيمة الجرف - مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون - دار النهضة العربية - ص108) .
(5)محكمة القضاء الإداري - حكم بتاريخ 19-1-1956 (نقلاً عن د. طعيمة الجرف - المرجع السابق - ص 109) .



-----------------------------------------------------------------------------------------
المطلب الثالث
معيار تمييز أعمال السيادة

تقضي نظرية أعمال السيادة بخروج طائفة من أعمال السلطة التنفيذية من رقابة القضاء ، ومن الطبيعي أن الأمر يحتاج لمعيار يميز أعمال السيادة عن غيرها من الأعمال الإدارية التي تظل خاضعة للرقابة القضائية .

ولذلك اهتم رجال الفقه والقضاء بالعمل على وضع معيار يميز أعمال السيادة عن غيرها من أعمال السلطة التنفيذية ، وكانت نتيجة محاولات الفقه في هذا المجال أن ظهرت العديد من المعايير ، نعرض لها فيما يلي :

أولاً : معيار الباعث السياسي :
ويعد هذا المعيار أول المعايير التي قيلت في هذا الصدد ، وقد أخذ به مجلس الدولة الفرنسي عند ظهور أعمال السيادة لأول مرة ، ويقضي هذا المعيار بأن العمل الصادر من السلطة التنفيذية يعد من أعمال السيادة متى كان الباعث على إصداره تحقيق مقصد سياسي هدفه حماية الحكومة من أعدائها في الداخل والخارج (1) .

وكان معيار الباعث السياسي يجد مسوغه في حقيقة الوضع الذي كان يشغله مجلس الدولة في المرحلة الأولى من بدء نشاطه القضائي ، ذلك أن المجلس كان لا يزال محكوماً بفكرة القضاء المحجوز ، حيث كانت قراراته خاضعة لتصديق رئيس الدولة ، ومن ثم كان طبيعياً أن يساير الحكومة في اتجاهاتها العليا ، وخاصة بالنسبة للإجراءات التي تتخذها لمقاومة أعدائها وللحد من نشاطهم ، حتى تدعم وجودها وتثبت أركان النظام الجديد(2) .

والحقيقة أنه لا تخفى خطورة هذا المعيار ، حيث أنه يوسع من نطاق أعمال السيادة ويضيق من مدى رقابة القضاء لأعمال السلطة التنفيذية ، لأنه يعتمد في تحديده لعمل السيادة على باعث إصدار هذا العمل ، وكان تحديد الباعث موكولا للسلطة التنفيذية ذاتها ، فمتى ما أعلنت الحكومة بأن الباعث على إصدار هذا العمل سياسياً امتنع على القضاء نظر هذا العمل لأنه من أعمال السيادة .

ثانياً : معيار طبيعة العمل ذاته :
ويقوم هذا المعيار في تحديده لأعمال السيادة على التمييز بين نوعين من أعمال السلطة التنفيذية وهما أعمال الحكم وأعمال الإدارة ، ويقضي بأن أعمال السيادة هي تلك الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية في مجال وظيفتها الحكومية .

ورغم قيام هذا المعيار على طبيعة العمل ذاته وليس على الباعث من إصداره ، إلا أنه يؤخذ عليه غموضه ، كما أنه يحل المشكلة بمشكلة أخرى ، فهذا المعيار يحتاج لمعيار آخر يميز بين أعمال السلطة التنفيذية الحكومية وأعمالها الإدارية .

ثالثاً : معيار النصوص القانونية المطبقة :
يستند هذا المعيار في تحديده لأعمال السيادة على التفرقة بين النصوص الدستورية والنصوص القانونية ، فأعمال السيادة هي تلك الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية تنفيذاً لاختصاصاتها المحددة في النصوص الدستورية ، أما الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية استناداً إلى نصوص القوانين واللوائح فإنها تعد أعمالاً إدارية وتخضع للرقابة القضائية(3) .

والحقيقة أن هذا المعيار منتقد ، لأنه يؤدي إلى الخلط بين الأعمال الإدارية وأعمال السيادة ، حيث أن كثيراً من الأعمال التي يعدها القضاء أعمال سيادة ليست تنفيذاً لنصوص دستورية ، كما أن كثيراً من الأعمال الإدارية هي تنفيذ مباشر لبعض نصوص الدستور ولم يعدها القضاء أعمال سيادة(4) ، كما يعيب هذا المعيار أنه يؤدي إلى عدم إخضاع الأعمال المقيدة للحقوق والحريات الفردية لرقابة القضاء لمجرد صدورها تنفيذاً لنصوص دستورية ، وهو الأمر الذي يحول الدستور من أداة أساسية في تقرير الضمانات التي تكفل حماية حقوق الأفراد وحرياتهم إلى أداة في يد السلطة التنفيذية تستخدمها للتخلص من الرقابة القضائية على أعمالها في مواجهة الأفراد(5) .

رابعاً : معيار العمل المختلط :
يقضي هذا المعيار بأن أعمال السيادة هي تلك الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية بمناسبة علاقتها بسلطات أخرى سواء كانت هذه السلطات داخلية أم خارجية ، ومثال ذلك علاقة الحكومة بالبرلمان على المستوى الداخلي ، وعلاقاتها بالدول الأخرى على المستوى الخارجي .

ويستند هذا المعيار في تحديده لأعمال السيادة وعدم إخضاعها لرقابة القضاء ، على أن القضاء يعد غير مختص بنظر هذه الأعمال لأن ولاية القضاء الوطني تقتصر على تصرفات السلطة التنفيذية فحسب ولا تشمل ولايته أعمال السلطات الأجنبية أو أعمال السلطة التشريعية .

ورغم أن هذه النظرية تستند على أساس قانوني مستمد من القواعد التي تحكم القضاء الإداري(6) ، إلا إن هذا المعيار - كما يرى البعض - لا يزال قاصراً عن تحديد أعمال السيادة ، لأن التصرف موضوع البحث مهما يكن مركباً أو مختلطاً، فإنه لا يزال من حيث المصدر تصرفاً صادراً عن الهيئة التنفيذية وفي حدود ولايتها الخاصة بتنفيذ القوانين واللوائح ، كما أن اللجوء إلى القضاء إنما يكون لرقابة تصرفات السلطة التنفيذية ، فهي وحدها التي تخضع للمناقشة بمناسبة العمل المختلط ، إذ أنها مصدر العمل وفاعله الوحيد ، دون أن يغير من هذا النظر أن يكون العمل قد صدر بمناسبة علاقة قانونية مع هيئات عامة أخرى لا تخضع بذاتها للرقابة ، فارتباط التصرف بهذه العلاقة لا يصلح مسوغاً لحصانته في جملته ضد رقابة القضاء (7) .

خامسا : معيار القائمة القضائية :
اتجه البعض في تحديد أعمال السيادة إلى استقراء الأحكام القضائية وتعداد أعمال السيادة طبقاً لهذه الأحكام ، وذلك اعترافاً منهم بالعجز عن وضع معيار دقيق لتمييز أعمال السيادة عن غيرها من أعمال السلطة التنفيذية .

ويعيب هذا الاتجاه أنه لا يضع معياراً لأعمال السيادة بالمعنى الفني الدقيق ، كما أنه يؤدي إلى تحكم القضاء بدلاً من الإدارة في تحصين العمل الإداري من الرقابة القضائية ، فمنح القضاء سلطة تحديد عمل السيادة لا يعني عدم الحاجة إلى معيار لتحديد هذه الأعمال ، فالقضاء نفسه يحتاج هذا المعيار وإلا كان الأمر تحكماً واضحاً من القضاء طالما أن تحديد أعمال السيادة يتم بطريقة مزاجية من القاضي ودون معيار موضوعي واضح وسليم .

سادساً : النظرية السلبية :
قامت هذه النظرية في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر ، وتهدف إلى إنكار وجود أعمال سيادة بجوار الأعمال الإدارية ولا تسلم بأن هذين النوعين من الأعمال يختلف أحدهما عن الآخر في المصدر والطبيعة والهدف ، وتقول هذه النظرية بأن ولاية القضاء تتسع لكل نزاع يتعلق بالحقوق والحريات وعلاقات الحاكم بالمحكوم وعلاقات الأفراد والجماعات فيما بينها وكل ما يتعلق بالعدل والإنصاف ، ولا تتقيد ولاية القضاء إلا بالقدر الذي يقضي به نص صريح في الدستور أو في القانون ، ولهذا أخذ فقهاء هذه النظرية يضعون قوائم لحصر تلك الأعمال التي تخرج عن ولاية القضاء ، لا من واقع قضاء المحاكم ومجلس الدولة كأصحاب الحصر العددي أو معيار القائمة القضائية ، بل من واقع الدستور والتشريعات المعمول بها (8) .

والحقيقة أننا نتفق مع أصحاب هذه النظرية فيما قالوا به من إنكار وجود أعمال السيادة واتساع ولاية القضاء لكل المنازعات ، بل إننا نتفق معهم أيضاً فيما قرروه من إمكانية المشرع الدستوري في تحديد ولاية القضاء ، إلا أننا لا نوافقهم فيما ذهبوا إليه من إمكانية المشرع العادي من أن يحدد ولاية القضاء وتحصين بعض الأعمال الإدارية من الرقابة القضائية ، فإذا كان المشرع الدستوري يختص بتحديد السلطات العامة في الدولة وتوزيع الاختصاصات فيما بينها ، فإن المشرع العادي لا يملك - وهو أحد السلطات - أن يعتدي على السلطات الأخرى ومنها السلطة القضائية وذلك بأن ينتقص من ولاية القضاء ويخرج بعض المنازعات أو يحصن بعض الأعمال من الرقابة القضائية ، لأن ذلك يعد اعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات وتعدياً على حقوق الأفراد وحرياتهم وإخلالاً بمبدأ المشروعية وسيادة القانون(9) .

والخلاصة في هذا الأمر ، أن الفقه فشل في العثور على معيار يقوم بتمييز أعمال السيادة عن غيرها من أعمال السلطة التنفيذية ، لذلك نراه لجأ إلى معيار القائمة القضائية الذي نقل - بموجبه - هذه المهمة إلى عاتق القضاء ، وحتى القضاء نفسه عجز حتى الآن عن صيانة معيار واضح في هذا الشأن ولذلك نراه يوسع من مدى أعمال السيادة في أحيان ويضيق من مداها في أحيان أخرى .

ويرجع هذا الفشل في العثور على معيار واضح وموضوعي يحدد أعمال السيادة ويميزها عن غيرها من الأعمال الإدارية إلى غموض نظرية أعمال السيادة نفسها وعدم توافقها مع المنطق القانوني السليم وأنها أحد تدخلات السياسة في عالم القانون ، بالإضافة إلى مخالفتها لمبدأ المشروعية وسيادة القانون واعتداءها على حقوق الأفراد وحرياتهم ، فإذا كانت الفكرة غامضة وغير متوافقة مع المنطق القانوني ، فأنه يصعب تحديدها ووضع معيار واضح لها .
______________________________________
(1) د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره - ص132 ، د. طعيمة الجرف : مرجع سبق ذكره - ص95 .
(2) د. طعيمة الجرف : المرجع السابق - ص96 .
(3) د. محمود سامي جمال الدين : الرقابة على أعمال الإدارة - طبعة 1992 - ص254 .
(4) د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره - ص134 .
(5) د. محمود سامي : مرجع سبق ذكره - ص254 وما بعدها .
(6) د. محمود سامي : مرجع سبق ذكره - ص256 وما بعدها .
(7) د. طعيمة الجرف : مرجع سبق ذكره - ص102 .
(8) محمد عبدالسلام : مرجع سبق ذكره - ص12 وما بعدها .
(9) لمزيد من التفاصيل : انظر بحثنا في هذا الموضوع : مدى دستورية النصوص التشريعية المحصنة لبعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء - من إصدار إدارة البحوث والدراسات بمجلس الأمة 1998م .

---------------------------------------------------------------------------------------

المبحث الثالث
تقدير نظرية أعمال السيادة

نستعرض في هذا المبحث موقف الفقه من هذه النظرية وذلك في المطلب الأول ، ثم نعرض في المطلب الثاني موقف القضاء من هذه النظرية والتطورات التي طرأت عليها في القضاء .

المطلب الأول
موقف الفقه من نظرية أعمال السيادة

يتفق الفقه على مخالفة نظرية أعمال السيادة لمبدأ المشروعية وسيادة القانون ، حيث أن هذه النظرية تمثل نقطة سوداء في جبين المشروعية كما يرون بأنها تمثل اعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم باعتبارها مانعاً من موانع التقاضي ، بل واعتداء على السلطة القضائية ، وذلك بحجب اختصاصها عن المنازعات التي تثار في شأن أعمال السيادة ، كما أنها تخالف النصوص الدستورية التي تقضي بصيانة وكفالة حق التقاضي للناس كافة .

إلا أن الفقه - رغم اتفاقه على ما سبق - فإنه يختلف وينقسم في مسألة التعامل مع هذه النظرية إلى رأيين :

الرأي الأول(1) : ويذهب أصحابه إلى أنه رغم مخالفة نظرية أعمال السيادة لمبدأ المشروعية واعتداءها على حقوق الأفراد وحرياتهم ومخالفتها للنصوص الدستورية التي تكفل التقاضي للكافة ، ورغم انتقاد هذا الرأي للنظرية ، إلا أنه لا يذهب في نقده لها إلى درجة إنكار وجودها ، فهي حقيقة قانونية واقعية لا يمكن تجاهلها ، لأن إنكار هذه النظرية هو خلط بين الأماني والحقائق القانونية(2) ، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حينما يرى أنه في وجود هذه النظرية بعض الأهمية للمحافظة على كيان الدولة الداخلي والخارجي(3) .

ويرى أصحاب هذا الرأي أن التعامل مع هذه النظرية يكمن في التوفيق بين اعتبارين : الأول هو ضرورة الإبقاء على نظرية أعمال السيادة ، والثاني هو ضرورة احترام حق التقاضي وكفالته ، ويذهبون إلى أن هذا التوفيق يمكن أن يتحقق إذا ما أخذنا بأمرين :

1 - ضرورة التعويض عن أعمال السيادة ، إذ من الممكن الإبقاء على عمل السيادة دون إلغاء حتى تتحقق الغاية منه ، مع السماح للأفراد الذين قد يصيبهم ضرر من جراء هذا العمل باللجوء إلى القضاء لتعويض الضرر الذي أصابهم ، فالذي يعني الحكومة من عمل السيادة هو بقاؤه قائماً ومنفذاً على الوجه الذي ترتضيه ، ولكن لن يضيرها أن تتحمل الجماعة نتائج عمل السيادة الضارة ، لأن هذا هو النتيجة المنطقية لمبدأ مساواة الأفراد أمام التكاليف العامة ، وبجواز التعويض عن أعمال السيادة يمكن للأفراد اللجوء للقضاء بشأن هذه الأعمال ، ومن ثم لن تعوق هذه الأعمال ممارسة الأفراد لحريتهم في التقاضي بصورة كاملة .

2 - ضرورة حصر أعمال السيادة حصراً دستورياً ، أي في صلب الدستور ، لأن هذه الأعمال لا يمكن إلغاؤها بمعرفة القضاء ، بل فقط من الممكن التعويض عنها كما ذكرنا ، وعدم إمكانية إلغاء هذه الأعمال يعني عدم كفالة حق التقاضي بصورة كاملة ، لأن الأفراد لن يتمكنوا من رفع دعاوى بإلغاء هذه الأعمال ، بل فقط بالتعويض عنها ، ولذلك فإن هذا الانتقاص بحق التقاضي يجب النص عليه في صلب الدستور ، لأن هذا الحق من الحقوق الدستورية المنصوص عليها في صلب الدستور ، وأي انتقاص له يجب النص عليه في الدستور كذلك ، والحصر الدستوري لهذه الأعمال سوف يقيد السلطة التنفيذية في هذا الصدد ، بل إنه سوف يقيد المشرع كذلك ، ولن يستطيع رئيس الدولة أن يصدر قراراً أو مرسوماً بقانون يحصن عمل من الأعمال من رقابة القضاء بحجة كون هذا العمل من أعمال السيادة ، إلا إذا كان هذا العمل من قبيل أعمال السيادة فعلاً المنصوص عليها في صلب الدستور .

الرأي الثاني(4) : يرى أصحابه أن الرأي السابق لا يكفي ، وإنما ينبغي إنكار نظرية أعمال السيادة دون تردد ، لأن الأخذ بمدلول هذه النظرية يمثل امتهاناً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون .

وإذا كان المشرع لا يملك تحصين العمل الإداري من رقابة القضاء التزاماً بسيادة القانون ، فإنه ينبغي على السلطة القضائية أن تلتزم في عملها بسيادة القانون ، ومن ثم يجب عليها فحص مشروعية كافة الأعمال الإدارية دون اللجوء إلى نظرية أعمال السيادة .

ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن إضفاء صفة عمل السيادة على أعمال السلطة الحاكمة من شأنه أن يثير الريبة والسخط عليها لموقفها السياسي غير المتفق مع القانون ، فالتمسك بأعمال السيادة يعد أحد العوائق التي تمنع التعبير الصادق عن اتجاهات الشعب والهيئات المنتخبة .

ويؤكد أصحاب هذا الرأي بأن إنكارهم لهذه النظرية ليس إنكاراً لحقيقة قانونية ، لأن النصوص القانونية التي تشير إلى هذه الأعمال - وذلك في القوانين المنظمة للسلطة القضائية - هي نصوص غير دستورية .

كما يضيفون بأن إنكارهم لهذه النظرية ليس خلطاً بين الأماني والحقائق القانونية ، فالحقائق القانونية تفرض علينا الاستناد إلى القواعد القانونية لمعرفة نظام كل عمل تقوم به سلطة من السلطات في الدولة ، وليس في التنظيم القانوني ما يسّوغ وجود أو مشروعية أعمال السيادة كاستثناء على مبدأ المشروعية وعلى اختصاص القضاء بالرقابة القضائية على مشروعيتها .

ومع ذلك ، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن قواعد الاختصاص القضائي تؤدي إلى إخضاع كافة المنازعات الإدارية لرقابة القضاء الإداري ، وتتصل هذه المنازعات بالأعمال الإدارية - أي بالأعمال الصادرة عن السلطة التنفيذية بصدد وظيفتها الإدارية - أما أعمالها الأخرى المتصلة بالحكم - وهي تلك التي تتعلق بالصلات بين السلطة التنفيذية والسلطات العامة الأخرى الوطنية أو الأجنبية - فإنها تخرج عن نطاق اختصاص القضاء الوطني ، إما لأنها تدخل في دائرة المسئولية السياسية للحكومة أمام البرلمان ، أو لاختصاص القضاء الدولي بنظر المنازعات المتصلة بها .

وعليه فإن إعمال قواعد الاختصاص القضائي من شأنها وحدها أن تحقق إخراج كافة أعمال السيادة المتفق عليها فقهاً - وهي الأعمال المتصلة بالبرلمان وبالعلاقات الدولية - من نطاق اختصاص القضاء بالرقابة على أعمال الإدارة .

أما باقي أعمال السيادة ، فعلاوة على أن تسميتها من أعمال السيادة يعد محل خلاف فقهي ، إلا أن إعمال نظريتي السلطة التقديرية وأعمال الضرورة من شأنه تحقيق الحماية الكافية لأعمال الإدارة وتمكينها من أداء واجبها ورسالتها ووظائفها على أكمل وجه دون التضحية بالحقوق العامة والحريات الفردية والصالح العام .

خلاصة هذا الرأي هو أن كافة أعمال السلطة التنفيذية المتصلة بوظيفتها الإدارية تدخل في اختصاص القضاء بالرقابة عليها ، أما أعمالها المتصلة بوظيفتها الحكومية - وهي الأعمال المتصلة بعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطات العامة الأخرى في الدولة أو بعلاقاتها الدولية - فإنها تخرج عن نطاق اختصاص القضاء بالرقابة على مشروعية أعمال الإدارة وفقاً لقواعد الاختصاص القضائي في الدولة ، إما لأنها لا تثير سوى المسئولية السياسية للسلطة التنفيذية أمام البرلمان ، أو لاختصاص القضاء الدولي بذلك دون الجهات القضائية الوطنية ، وتبعاً لذلك فإن القول بوجود طائفة من الأعمال هي أعمال السيادة ، يكون قولاً يجانبه الصواب .

ورغم احترامنا للرأي الأول إلا أنه - في رأينا - يتعامل مع الخطأ بسياسة قبول الأمر الواقع ، ويعمل جاهداً على محاولة تقليص الأضرار والسلبيات الناتجة من قبول وتطبيق نظرية أعمال السيادة .

ونعتقد أن هذه السياسة والتوجه لا تكفي للتعامل مع نظرية أعمال السيادة ، وذلك لفداحة الأخطار التي تترتب على قبول هذه النظرية والاعتراف بها ، حيث أن هذه النظرية تمثل - بإجماع الفقه - إخلالاً خطيراً بمبدأ المشروعية وسيادة القانون ، واعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم ، ومخالفة صريحة لحق التقاضي والنصوص الدستورية التي تكفله .

ولذلك فإننا نؤيد ما ذهب إليه الرأي الثاني من المطالبة بإنكار وجود هذه النظرية وإلغائها من النظام القانوني والاستعاضة عنها بنظريات أخرى مثل السلطة التقديرية ونظرية الضرورة والحالات الاستثنائية ، وإعمال قواعد الاختصاص القضائي ، ففي هذه النظريات ما يكفي من إعطاء الإدارة حرية واسعة في قيامها بأداء واجباتها واختصاصاتها على النحو الذي يكفل لها عدم تعطيلها عن أداء مهامها من ناحية وحماية مبدأ المشروعية وصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم من ناحية أخرى .
______________________________________
(1) من الذين قالوا بهذا الرأي : د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره - ص171 وما بعدها ، د. عبدالغني بسيوني عبدالله : القضاء الإداري - منشأة المعارف بالإسكندرية - طبعة 1996- ص60 ، د. أحمد مليجي : مرجع سبق ذكره - ص305 وما بعدها .
(2) د. سليمان الطماوي : مرجع سبق ذكره - ص165 .
(3) د. أحمد مليجي : مرجع سبق ذكره - ص304 .
(4) د. محمود سامي جمال الدين : مرجع سبق ذكره - ص261 وما بعدها .



---------------------------------------------------------
المطلب الثاني
موقف القضاء من نظرية أعمال السيادة

ذكرنا فيما سبق أن نظرية أعمال السيادة هي نظرية قضائية الصنع والمنشأ ، حيث ابتكرها مجلس الدولة الفرنسي لظروف سياسية مرتبطة بتلك المرحلة ، إلا أنه بزوال هذه الظروف والاعتبارات كان المتوقع أن يقوم مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء هذه النظرية ، إلا أن هذا الأمر لم يحدث ، بل بقيت النظرية قائمة في القضاء الفرنسي ، وقام الفقه بوضع مسوغ لهذا الأمر مفاده أن مجلس الدولة الفرنسي عمل على إبقائها حماية لما قام به من جهود كبيرة في إرساء مبدأ المشروعية وترسيخ أركانه في النظام القانوني .

إلا أن القضاء لم يجار في تطوراته موقف الفقه في هذا الشأن ورغم ذلك فقد قام بالعديد من الأعمال التي تهدف إلى التضييق من نطاق هذه النظرية والحد من آثارها السلبية وذلك كما يلي :

أولا :اعترف القضاء لنفسه بحق تقرير أن عملاً ما يعد من أعمال السيادة ، بمعنى أن القضاء هو صاحب الحق في إلباس ثوب السيادة لأي عمل تقوم به السلطة التنفيذية ، وذلك بعد أن كان يعطي هذا الحق للسلطة التنفيذية نفسها في ظل أخذه بمعيار الباعث السياسي .
وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا في مصر هذا الأمر في حكمها الصادر في 10-12-1966(1) حيث تقول : 'الأصل أن معيار التفرقة بين الأعمال الإدارية وبين أعمال السيادة مرده إلى القضاء الذي ترك له المشرع سلطة تقرير الوصف القانوني للعمل المطروح عليه ، وما إذا كان يعد عملاً إدارياً عادياً يختص بنظره ، أو عملاً من أعمال السيادة يمتنع عليه النظر فيه …' .

ثانياً :اتجه القضاء نحو التضييق من دائرة أعمال السيادة ، وذلك بأن أخرج من قائمتها أعمالاً كان من قبل يعدها من أعمال السيادة ، وبدأ يبسط عليها رقابته إلغاءً وتعويضاً ، من ذلك مثلاً - في فرنسا ومصر - قرارات إبعاد الأجانب والإجراءات الإدارية التي تتخذ تبعاً له ، وكذلك القبض على الأفراد(2) .
وباستعراض أحكام القضاء في فرنسا ومصر يمكن أن نقول : إن القضاء قد حصر أعمال السيادة في الطوائف الآتية(3) :

1 - الأعمال المنظمة لعلاقة الحكومة بالبرلمان وبضمان سير السلطات العامة وفقاً للدستور ، ومن هذه الأعمال دعوة الناخبين لانتخاب أعضاء البرلمان ، ودعوة البرلمان للانعقاد ، وتأجيل جلسات البرلمان ، وفض دور الانعقاد ، وحل البرلمان ، ومنها أيضاً استعمال السلطة التنفيذية لحقوقها المتعلقة بالتشريع كاقتراح القوانين أو الاعتراض عليها أو التأخر في إصدارها ، أو سحب مشروع قانون كانت قد تقدمت به ، أو إهمالها في استصدار قانون يتضمن الموافقة على قانون معين ، أو رفض أحد الوزراء طلب اعتمادات مالية من البرلمان … الخ .

2 - الأعمال المتعلقة بسير مرفق التمثيل الدبلوماسي : وفي هذا المجال توجد معظم تطبيقات نظرية أعمال السيادة ، من ذلك القرارات المتعلقة بحماية المواطنين المقيمين في الخارج عن طريق الوسائل الدبلوماسية ، ورفض الدولة التدخل بالطرق الدبلوماسية لمطالبة دولة أجنبية بتعويض أحد المواطنين نتيجة الاعتداء عليه أثناء إقامته في تلك الدولة ، والتعليمات الصادرة من الحكومة لممثليها الدبلوماسيين في الخارج ، كما أن من أهم التطبيقات في هذا الصدد إبرام المعاهدات وما يتعلق بها .

3 - بعض الأعمال المتعلقة بالحرب : وخاصة تلك التي تتم خارج حدود الدولة ومنها الأوامر الصادرة بتغيير اتجاه السفن أو حجزها أو حجز ما تحمله من بضائع ، ومنها أيضاً الحوادث أو التلف الذي ينال السفن في عرض البحر ، وضحايا الغارات والقذائف ، وما ينال المواطنين من أضرار بسبب الحرب خارج نطاق الإقليم .

4 - بعض الأعمال المتعلقة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي : ومنها الإجراءات التي تتخذها الإدارة لوقاية الصحة العامة في حال الأوبئة ، وإعلان الأحكام العرفية في حال قيام اضطرابات تهدد سلامة الدولة وأمنها وتحديداً هو مرسوم إعلان الأحكام العرفية ذاته ، ومنها أيضاً بعض إجراءات الضبط التي تتخذ ضد الأجانب لا سيما في حال الحرب ، والإجراءات التي تتخذها الدولة للدفاع عن ائتمانها وماليتها .

ثالثا :اتجه القضاء نحو الحد من الآثار الخطيرة التي تترتب على نظرية أعمال السيادة ، وذلك بقصر هذه الآثار على الحصانة ضد الإلغاء دون التعويض ، وهكذا بدأ القضاء الفرنسي يحكم في قضايا متفرقة بالتعويض عن أعمال السيادة استناداً إلى نظرية تحمل التبعة وإعمالاً لمبدأ مساواة الأفراد أمام الأعباء العامة(4) .

الخلاصة : إن القضاء رغم عدم استجابته للتيار الفقهي الذي ينادي بإنكار وجود نظرية أعمال السيادة ، إلا أن موقفه من هذه النظرية قد لحقه العديد من التطورات الإيجابية التي عملت على تقليص مدى هذه النظرية والحد من آثارها السلبية ، وذلك بالاعتراف لنفسه بحق تكييف عمل السيادة ، وتقليص مدى هذه الأعمال بإخراج العديد من الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية من دائرة أعمال السيادة ، وقبوله مبدأ التعويض عن بعض هذه الأعمال .

ورغم تأييدنا لهذه التطورات الإيجابية في موقف القضاء من نظرية أعمال السيادة ، إلا إننا مازلنا نقف - في صف واحد - مع المطالبين بإلغاء هذه النظرية والاستعاضة عنها بأفكار أخرى كالسلطة التقديرية ونظرية والظروف الاستثنائية ، وإعمال قواعد الاختصاص القضائي .
______________________________________
(1) مجموعة أحكام المحكمة : س12 -ص380 (نقلاً عن : د. سليمان الطماوي - مرجع سبق ذكره - ص141 وما بعدها) .
(2) د. عثمان خليل عثمان : مجلس الدولة ورقابة القضاء لأعمال الإدارة -عالم الكتب - الطبعة الخامسة 1962- ص165.
(3) لمزيد من التفاصيل حول هذه الأمثلة وغيرها أنظر : د. سليمان الطماوي - مرجع سبق ذكره - ص142 وما بعدها .
(4) د. محمود حافظ : مرجع سبق ذكره - ص62 .



-----------------------------------------------------------------------------------


المبحث الرابع
نظرية أعمال السيادة في الكويت

سوف نناقش في هذا المبحث نظرية أعمال السيادة في الكويت ، وذلك في مطلبين :

المطلب الأول : ونناقش فيه موقف المشروع الكويتي من نظرية أعمال السيادة ، أما المطلب الثاني : فنناقش فيه موقف القضاء الكويتي من نظرية أعمال السيادة .

المطلب الأول
موقف المشرع الكويتي من نظرية أعمال السيادة

يتبين لنا -بعد البحث في التشريعات الكويتية - أن الإشارة الأولى إلى أعمال السيادة قد وردت في قانون تنظيم القضاء رقم 19-1995م ، حيث نصت المادة الثانية منه على أنه : 'ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة ، ولها - دون أن تلغي الأمر الإداري أو توقف تنفيذه أو تؤوله - أن تفصل في المنازعات المدنية والتجارية التي تقع بين الأفراد والحكومة ، عدا الحالات التي ينص فيها القانون على غير ذلك' .

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور في تعليقها على المادة الثانية :'ويخرج من ولاية المحكمة جميع أعمال السيادة ، وهي الأعمال التي تقوم بها الحكومة مدفوعة باعتبارات تتعلق بالسياسة العليا للدولة ، كإعلان الأحكام العرفية والإجراءات التي تتخذ للدفاع عن سلامة البلاد …' .

ثم جاء المرسوم بالقانون رقم 23-1990 في شأن تنظيم القضاء ليلغي القانون السابق ، ونص هذا المرسوم في المادة الثانية منه على أنه : 'ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة' ، وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمرسوم تعليقاً على هذه المادة : 'وتؤكد المادة الثانية خروج أعمال السيادة من ولاية القضاء عموماً لاتصالها بسيادة الدولة ، وهو مبدأ مستقر في الفقه والقضاء منذ أمد بعيد ، ومن ثم فليس للقضاء أن ينظر طلباً يمس أعمال السيادة سواء قصد به إلغاء العمل أو تفسيره أو وقف تنفيذه أو التعويض عنه' .

وهكذا يتبين لنا أن المشرع الكويتي قد أخذ بنظرية أعمال السيادة وقرر منع القضاء من التعرض لأعمال السيادة وأخرجها - بشكل كامل - من ولاية القضاء واختصاصه .

ويلاحظ أن المشرع الكويتي لم يضع تعريفاً لأعمال السيادة كما لم يتبن معياراً لتمييز أعمال السيادة بشكل واضح ، إلا أننا نستطيع أن نستشف ميله إلى المعيار الذي يميز بين أعمال الإدارة وأعمال الحكم في نطاق أعمال السلطة التنفيذية ، واعتباره أن أعمال السيادة هي تلك الأعمال المتعلقة بأعمال الحكم ، ونستنتج هذا الأمر من خلال تعليق المذكرة الإيضاحية لكل من القانون رقم 19-1959م والمرسوم بالقانون رقم 23-1990على المادة الثانية في كل منهما ، حيث تقرر الأولى أن أعمال السيادة هي تلك : 'الأعمال التي تقوم بها الحكومة مدفوعة باعتبارات تتعلق بالسياسة العليا للدولة' ، كما تقرر الثانية خروج أعمال السيادة من ولاية القضاء عموماً : 'لاتصالها بسيادة الدولة' .

ولقد انتقد الفقه - في الكويت - هذه النصوص التي تمنع القضاء من نظر أعمال السيادة انتقاداً شديداً ، حيث ذهب الفقه الدستوري إلى عدم دستورية هذا النهج ، على اعتبار أن النص الذي يمنع القضاء من نظر أعمال السيادة هو نص غير دستوري ، وذلك لمخالفته نص المادة (166) من الدستور الكويتي التي تقضي بأن : 'حق التقاضي مكفول للناس ، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق' ، حيث أن منع القضاء من نظر أعمال السيادة هو إخلال وتقييد لحق التقاضي الذي نص الدستور الكويتي على كفالته للناس(1) .

كما انتقد الفقه هذا النص لمخالفته نص المادة (164) من الدستور الكويتي والتي حددت دور المشرع بتنظيم جهات القضاء(2) ، والمادة (169) من الدستور الكويتي التي جعلت ولاية القضاء الإداري كاملة لجميع المنازعات شاملة ولايتي الإلغاء والتعويض(3) ، ذلك لأن هذا النص يسلب القضاء ولاية الفصل في بعض المنازعات ، ويعد بمثابة إلغاء جزئي للسلطة القضائية ، واعتداء صريح من السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية ، وإخلال سافر بمبدأ الفصل بين السلطات(4) .

هذا فضلاً عن مخالفة هذا النص وإخلاله بمبدأ المشروعية وسيادة القانون ، ذلك المبدأ الذي استقر في ضمير الجماعة ، وأصبح من غير المقبول النيل منه والاعتداء عليه في دولة تقر لنفسها بأنها دولة قانونية .
_____________________________________
(1) د. عثمان عبدالملك : السلطة اللائحية للإدارة في الكويت - بحث منشور في مجلة الحقوق - ملحق العدد الأول - السنة الأولى - يناير 1977 -ص107 ، ذهيبان العجمي : القيود الواردة على حق التقاضي ومدى مخالفتها لنصوص الدستور - بحث مقدم لنيل درجة الماجستير لكلية الحقوق في جامعة الكويت -ص112 .
(2) تنص المادة (164) من الدستور على أن : 'يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ، ويبين وظائفها واختصاصاتها ، ويقتصر اختصاص المحاكم العسكرية ، في غير حالة الحكم العرفي ، على الجرائم العسكرية التي تقع من أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن ، وذلك في الحدود التي يقررها القانون' .
(3) تنص المادة (169) من الدستور على أن : 'ينظم القانون الفصل في الخصومات الإدارية بواسطة غرفة أو محكمة خاصة يبين القانون نظامها وكيفية ممارستها للقضاء الإداري شاملاً ولاية الإلغاء وولاية التعويض بالنسبة إلى القرارات الإدارية المخالفة للقانون' .
(4) د. عثمان عبدالملك : مرجع سبق ذكره - ص108، 109 ، ، ذهيبان العجمي : مرجع سبق ذكره - ص112، 113 .

------------------------------------------------------------------------------------------------------
المطلب الثاني
موقف القضاء الكويتي من نظريتي أعمال السيادة

قلنا - فيما سبق - أن نظرية أعمال السيادة هي نظرية قضائية النشأة والصنع ، ورأينا أن القضاء الفرنسي قد عمل على الحد من آثار هذه النظرية والتضييق من نطاقها ، وذلك من خلال إعطاء نفسه السلطة التقديرية الكاملة لاعتبار عمل ما من أعمال السيادة أم لا ، كما أعطى لنفسه الحق في وضع تعريف ومعيار يضبط هذه الأعمال وغيرها من الأعمال ، مراعياً في ذلك الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في الدولة .

وإذا أردنا معرفة موقف القضاء الكويتي من نظرية أعمال السيادة ، فإننا نستطيع الوصول لهذا الأمر من خلال استعراض وتحليل حكمين أحدهما لمحكمة التمييز باعتبارها قمة المحاكم في القضاء العادي ، والآخر حكم حديث للمحكمة الدستورية باعتبارها ممثلة القضاء الدستوري ، وهذا ما سنعرضه فيما يلي في فرعين :
الفرع الأول : موقف محكمة التمييز من نظرية أعمال السيادة:
قضت محكمة التمييز - في أحد أحكامها(1) - بأن أعمال السيادة هي : '… تلك الأعمال التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة ، وهي بطبيعتها أعمال إدارية ولكنها تخرج عن ولاية المحاكم' .

وبذلك تعترف محكمة التمييز بنظرية أعمال السيادة وتقر بوجودها ، وواضح أن المحكمة قد أخذت - في مجال تحديدها لأعمال السيادة - بالمعيار الذي يقوم على التفرقة بين نوعين من أعمال السلطة التنفيذية أعمال الحكم وأعمال الإدارة ، وينتهي هذا المعيار إلى اعتبار الأعمال المتعلقة بالحكم أعمال سيادة لا تخضع لرقابة القضاء .

كما جاء في حيثيات الحكم : '… ترك المشرع بما نص عليه في المادة الثانية من القانون رقم 19-1959 بشأن تنظيم القضاء أمر تحديدها للقضاء اكتفاء بإعلان مبدأ وجودها ، ذلك أن ما يعتبر عملاً إدارياً قد يرقى في ظروف وملابسات سياسية في دولة ما إلى مرتبة أعمال السيادة ، كما أن ما يعتبر عملاً من أعمال السيادة قد يهبط في ظروف أخرى إلى مستوى الأعمال الإدارية' .

ويتضح من الفقرة السابقة بأن المحكمة قد أقرت بحقها الكامل في تقدير ما يعد من أعمال السيادة وما لا يعد منها ، مسايرة في ذلك ما استقر عليه العمل في القضاء المقارن ، باعتبار أن نظرية أعمال السيادة نظرية مرنة تستجيب للمتغيرات والظروف السياسية القائمة في الدولة .

وقد جاء بحيثيات الحكم أن : '… ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية من استبعاد القرارات الصادرة في مسائل الجنسية من اختصاص تلك الدائرة لا يعدو أن يكون تأكيداً من الشارع باعتبار تلك المسائل من أعمال السيادة التي تخرج عن ولاية المحاكم' .

وبذلك تكون محكمة التمييز قد اعترفت للمشرع في أن يشاركها في تقدير ما يعد من أعمال السيادة ، حيث أجازت للمشرع استثناء بعض المسائل من الرقابة القضائية باعتبار تلك المسائل من أعمال السيادة ، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى في البلد الذي نشأت نظرية أعمال السيادة فيه وأقصد فرنسا ، حيث أنه لا يوجد في التشريعات الفرنسية نص يقضي باستثناء أعمال السيادة من ولاية القضاء ، بل إن نظرية أعمال السيادة هي نظرية قضائية بحتة ، أنشأها القضاء الفرنسي وتولى أمرها دون تدخل من المشرع ، بل حتى بالنسبة للنصوص التشريعية التي تحصن بعض الأعمال من رقابة القضاء فإن القضاء الفرنسي قد تجاهلها تماما وبسط رقابته على تلك الأعمال(2) .

الفرع الثاني : موقف المحكمة الدستورية من نظرية أعمال السيادة :
نستطيع استظهار موقف القضاء الدستوري في الكويت من نظرية أعمال السيادة من خلال حكم حديث للمحكمة الدستورية(3) ، نعرض أولاً وبشكل مختصر لوقائع الدعوى قبل وصولها للمحكمة الدستورية ، ثم نعرض لحكم المحكمة الدستورية لما لهذا الحكم من أهمية في إثراء هذا البحث ، ثم نقوم بالتعليق على هذا الحكم .

تتلخص وقائع الدعوى في أن المدعي قد قدم طلباً لوزير الإعلام بإصدار ترخيص له بإصدار صحيفة ، إلا أن الوزير لم يبت بالطلب حتى فوات المدة المقررة ، بما يعد قراراً سلبياً برفض الطلب ، مما دعا المدعي إلى التظلم من هذا القرار إلى مجلس الوزراء عملاً بالمادة (17) من قانون المطبوعات والنشر ، إلا أن المجلس بدوره لم يبت في تظلمه حتى فوات المدة المقررة ، مما يعد أيضاً قراراً سلبياً يرفض التظلم ، مما حداه إلى إقامة دعوى أمام الدائرة الإدارية مطالباً بإلغاء قرار الرفض الصادر من مجلس الوزراء والترخيص له بإصدار الصحيفة ، على سند من القول بأن هذا القرار مخالف للقانون ومشوب بعيب إساءة استعمال السلطة .

وأثناء نظر الدعوى أمام الدائرة الإدارية قدم دفاع الحكومة مذكرة دفع فيها أصليا بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى عملاً بالبند الخامس من المادة الأولى من القانون رقم 20-81 - الذي يقضي بعدم اختصاص الدائرة الإدارية بنظر بعض القرارات الإدارية ومنها القرارات المتعلقة بتراخيص الصحف - واحتياطياً برفض الدعوى ، مما حدا بالمدعى إلى أن دفع بعدم دستورية هذا النص لتعارضه مع المادتين 37 ، 166 من الدستور ، وطلب إحالة الدفع للمحكمة الدستورية للفصل فيها ، الأمر الذي استجابت له المحكمة وقضت بإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية .

وقدم الطاعن مذكرة جديدة أمام المحكمة الدستورية أصر فيها على طلب الحكم بعدم دستورية البند الخامس من المادة الأولى من المرسوم بالقانون رقم 20-81 ، وذلك على سند من القول بأن هذا النص يعد حجراً على حق التقاضي المكفول للكافة بموجب المادة (166) من الدستور ، كما يعد ذلك انتقاصاً لحرية الصحافة المكفولة بنص المادة (37) من الدستور ، هذا فضلاً عن مخالفة هذا النص لمبدأ المشروعية وسيادة القانون .

وقدمت إدارة الفتوى والتشريع مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم اختصاص المحكمة وسائر المحاكم بنظر المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية الصادرة في شأن تراخيص الصحف والمجلات ، واحتياطياً رفض الدعوى الدستورية ، باعتبار أن هذه القرارات تعد إحدى تطبيقات نظرية أعمال السيادة التي تخرج من ولاية المحاكم ، وباعتبار أن موضوع الدعوى فاقد الأساس إذ أن المشرع قد مارس سلطته التقديرية في تنظيم حرية الصحافة وحق اللجوء إلى القضاء وبالأداة القانونية المقررة وبما يتلاءم مع المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وقد حكمت المحكمة الدستورية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى على اعتبار أن النص المطعون عليه إنما يكون من قبيل الأعمال السياسية التي تتولاها السلطة التشريعية ، مما يدخله ضمن طائفة أعمال السيادة التي تنأى عن الرقابة القضائية للمحكمة الدستورية .
وقد جاء في حيثيات الحكم : '… إنه بالنسبة للدفع المبدي من الحكومة بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لتعلقها بعمل من أعمال السيادة فهو في محله ، ذلك أن أعمال السيادة - وكما عرفها القضاء - هي تلك الأعمال التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة ، فتباشرها بمقتضى هذه السلطة العليا ، لتنظيم علاقتها بالسلطات الأخرى ، داخلية كانت أو خارجية ، أو تجربها اضطراراً للمحافظة على كيان الدولة في الداخل أو الذود عن سيادتها في الخارج ، وهذه الأعمال وإن كانت لا تقبل الحصر والتحديد ، إلا أن المستقر عليه أن المرد في تحديدها يرجع إلى السلطة التقديرية للقضاء وحده ليقرر ما يعتبر من أعمال السيادة وما لا يعتبر منها ، بحسب ظروف وطبيعة كل عمل من تلك الأعمال ، والتي يجمعها إطار عام هي أنها تصدر عن الدولة بما لها من سلطة عليا وسيادة في الداخل والخارج مستهدفة تحقيق مصلحة الجماعة ، ويندرج ضمن أعمال السيادة المنظمة لعلاقة الحكومة بالسلطة التشريعية ومنها استعمال السلطة التنفيذية لحقوقها بالتشريع كاقتراح القوانين كما تدخل فيها المسائل السياسية التي تعد المجال الحيوي والطبيعي لنظرية أعمال السيادة ، وهذه الأعمال قد تكون قوانين مباشرة من الهيئة التشريعية ، بما ذهب معه القضاء الدستوري المقارن إلى القول أن مجال تطبيق نظرية أعمال السيادة صار ممتداً ليشمل النصوص التشريعية ، ولم يعد يقتصر على الأعمال الإدارية ، كما أن هذه النظرية هي نظرية مرنة ومتطورة تستجيب للدواعي والظروف القائمة في الدولة وقت تقدير العمل الذي يدور حوله النزاع ، لارتباط ذلك بسيادة الدولة العليا وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة' .

وأضافت في حيثياتها بأنه : '… إذا كانت نظرية أعمال السيادة هي في أصلها قضائية النشأة وولدت في ساحة القضاء الإداري المقارن وتطورت به قواعدها ، إلا أنها غدت ذات أساس تشريعي في بعض الدول ومنها الكويت ، فقد نصت المادة الثانية من قانون تنظيم القضاء رقم 23-90 على أنه ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة ، مما أضحت معه أعمال السيادة مستبعدة من ولاية المحاكم عامة ، وإن كانت الرقابة على دستورية القوانين واللوائح تجد أساساتها - كأصل عام - في مبدأ الشرعية وسيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه ، إلا أنه يستثنى من هذا الأصل - وفقاً لما جرى عليه القضاء الدستوري- أعمال السيادة ، ومنها الأعمال السياسية ، فتخرج من مجال هذه الرقابة ولو بغير نص يقضي بذلك ، إذ أن هذه قاعدة مستقرة في النظم القضائية في الدول المتحضرة ، وغدت أصلاً من الأصول القضائية الثابتة ، تأسيساً على أن طبيعة هذه الأعمال تأبى أن تكون محلاً لدعوى قضائية تحقيقاً للاعتبارات السياسة واستجابة لدواعي الحفاظ على كيان الدولة ، مما يقتضي منها سلطة تقديرية - بسلطتيها التشريعية والتنفيذية - فيما تجريه من أعمال أبعد مدى وأوسع نطاقاً تحقيقاً لصالح الوطن وسلامته من دون تخويل القضاء سلطة التعقيب على ما تتخذه الدولة في هذا الصدد ، لأن النظر في تلك الأعمال يستلزم توافر معلومات وضوابط وموازين يناط بالدولة تقديرها ، فضلاً عن عدم ملاءمة طرح هذه المسائل للمنازعة أمام القضاء العادي ، ومن ثم فإن المحكمة الدستورية -وحدها- هي التي تحدد ما إذا كان النص المطعون عليه يعتبر من الأعمال السياسية فيخرج عن ولايتها بالرقابة الدستورية ، أو أنه لا يعتبر كذلك فتنبسط عليه رقابتها' .

واستطردت المحكمة الدستورية في حيثياتها قائلة : '… لما كان ذلك وكان النص المطعون عليه وهو الفقرة الخامسة من المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية رقم 20-81 المعدل بالقانون رقم 61-82 في شقها الخاص بعدم اختصاصها بالنظر في مسألة إصدار الصحف والمجلات ضمن مسائل أخرى محظورة ، فإنه بالنظر للظروف المحيطة بدولة الكويت التي يتربص بها الطامعون في ثروتها ومواردها ، وتهددها الأخطار المحدقة بأمنها واستقلالها وكيانها ، فضلاً عما تموج به المنطقة من تيارات ومبادئ متباينة ومصالح سياسية متصارعة ، بما يتبدى معه موضوع منح أو منع تراخيص إصدار الصحف والمجلات مسألة سياسية لما تنتجه من أمور تنعكس آثارها على سلامة وأمن الدولة في الداخل وعلاقتها بغيرها من الدول بالخارج ، وهذا الأمر هو المستفاد من اعتراض سمو الأمير على المشروع الخاص بالمادة المطعون عليها بالصيغة المقدمة وقتئذ ، وإعادته إلى المجلس لإعادة النظر فيما تضمنه من القول أن القانون عندما نأى بهذه المسائل - ومنها تراخيص إصدار الصحف والمجلات - عن أن تكون محل جدل أمام القضاء ، وألا تكون مثار منازعات وخصومات بين الأفراد والدولة ، لم يكن يقصد إلا الحفاظ على كيان الدولة وسلامة المجتمع واستقراره ، وقد ترك القانون هذه المسائل خاضعة لمسئولية الحكومة السياسية تتصرف فيها على ضوء تقديرها للمصلحة العامة ومصالح المواطنين ، تحت رقابة السلطة التشريعية ، وكل هذا يتفق مع طبيعة هذه المسائل واتصالها بالسياسة العامة للدولة ، فإذا ما قدرت السلطة التشريعية أن ثمة مساس لهذه المسائل بالمصلحة العليا للدولة ، استبعدت المنازعات التي تنشأ حول القرارات الصادرة في شأن تلك المسألة من نطاق الرقابة القضائية ، وأن تقديرها في هذا الخصوص غير قابل لطرحه ورقابته قضاء دون إلزامها بالإفصاح عن السبب الذي دفعها لاستبعاد إصدار تراخيص الصحف والمجلات من اختصاص الدائرة الإدارية ، إذ أن المقرر أن ملاءمة التشريع والباعث على إصداره هو من إطلاقات السلطة التشريعية ما لم يعتبرها الدستور بحدود ضوابط معينة' .

ويبدو أن المحكمة الدستورية قد تبنت ما ذهبت إليه محكمة التمييز بخصوص تعريف أعمال السيادة وتحديد المعيار الذي يميزها عن غيرها من الأعمال ، حيث جاء في تعريف المحكمة الدستورية لأعمال السيادة قولها بأنها : '… تلك الأعمال التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة ، فتباشرها بمقتضى هذه السلطة العليا لتنظيم علاقتها بالسلطات الأخرى داخلية كانت أو خارجية ، أو تجريها اضطراراً للمحافظة على كيان الدولة في الداخل أو الذود عن سيادتها في الخارج' ، وواضح أن المحكمة قد تبنت المعيار الذي يقوم على التمييز بين أعمال الحكم وأعمال الإدارة في نطاق أعمال السلطة التنفيذية ، معتبرة أعمال السيادة هي تلك الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة .

كما أن المحكمة قد تبنت ما استقر علية قضاء التمييز في الكويت - بل والقضاء المقارن- فيما يتعلق بحق القضاء في تقدير ما يعد من أعمال السيادة وما لا يعد منها ، حيث تقول في حيثيات الحكم السابق : '… وهذه الأعمال وإن كانت لا تقبل الحصر والتحديد ، إلا أن المستقر عليه أن المراد في تحديدها يرجع إلى السلطة التقديرية للقضاء وحده ليقرر ما يعتبر من أعمال السيادة وما لا يعتبر منها بحسب ظروف وطبيعة كل من تلك الأعمال …' .

إلا أن المحكمة الدستورية لم تقف عند هذا الحد ، بل إنها قضت بعدم اختصاصها بنظر أعمال السيادة وكان مما قالته في حيثياتها كمسوغ لهذا الموقف : '… وإذا كانت نظرية أعمال السيادة هي في أصلها قضائية النشأة …' ، إلا أنها غدت أساس تشريعي في بعض الدول ومنها الكويت (وذلك بنص المادة الثانية من القانون رقم 19-59) … ، مما أضحت معه أعمال السيادة مستبعدة من ولاية المحاكم عامة ، وإن كانت الرقابة على دستورية القوانين واللوائح تجد أساساتها -كأصل عام- في مبدأ الشرعية وسيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه ، إلا أنه يستثنى من هذا الأصل - وفقاً لما جرى عليه القضاء الدستوري- أعمال السيادة ومنها الأعمال السياسية ، فتخرج من مجال هذه الرقابة ولو بغير نص يقضي بذلك ، إذ أن هذه قاعدة مستقرة في النظم القضائية في الدول المتحضرة ، وغدت أصلاً من الأصول القضائية الثابتة'.

كما أن المحكمة قد أوضحت اقتناعها بامتداد مجال تطبيق نظرية أعمال السيادة إلى النصوص التشريعية وذلك بقولها : '… كما تدخل فيها (أي في نظرية أعمال السيادة) المسائل السياسية التي تعد المجال الحيوي والطبيعي لنظرية أعمال السيادة ، وهذه الأعمال قد تكون قوانين مباشرة من الهيئة التشريعية ، بما ذهب معه القضاء الدستوري المقارن إلى أن مجال تطبيق نظرية أعمال السيادة صار ممتداً ليشمل النصوص التشريعية ، ولم يعد يقتصر على الأعمال الإدارية …'(4) .

والحقيقة أننا كنا نأمل من المحكمة الدستورية ألا تعتنق نظرية أعمال السيادة باعتبار أنها المحكمة أو الجهة التي أوكل لها الدستور مهمة حمايته وصيانة نصوصه ، وعلى اعتبار أنها تستمد اختصاصها من نصوص الدستور نفسه لا من قانون إنشائها كما جاء في بعض أحكامها(5) .
وخلاصة القول أن موقف المحكمة الدستورية هو نفسه موقف محكمة التمييز الذي يتلخص في نقاط ثلاثة :
1 -أن القضاء غير مختص بنظر أعمال السيادة .
2 -أن القضاء هو الذي يملك سلطة تقدير أن عملاً ما يعد من أعمال السيادة أم لا .
3 -أن المعيار الذي يأخذ به القضاء للتمييز بين أعمال السيادة عن غيرها من الأعمال ، هو المعيار الذي يقوم على التمييز بين أعمال الحكم وأعمال الإدارة .
______________________________________
(1) الطعن رقم 18-87 مدني - مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة التمييز - القسم الثاني - المجلد الأول - يونيو 1996 -ص518-520 .
(2) راجع في ذلك بحثنا المشار إليه سابقاً : مدى دستورية النصوص التشريعية المحصنة لبعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء - ص37-39 .
(3) حكم المحكمة الدستورية في الدعوى رقم (2-99) .
(4) الحقيقة أن توجه المحكمة في هذا الخصوص هو نفس توجه المحكمة الدستورية العليا في مصر :
-انظر على سبيل المثال : حكم المحكمة الدستورية العليا في مصر في القضية رقم (48) لسنة (4) قضائية دستورية الصادر بتاريخ 25-6-1983م (راجع : المستشار عبدالمنعم الشربيني - الموسوعة الشاملة لأحكام المحكمة الدستورية العليا - الجزء الأول - ص 123 -127) .
-انظر في نقد هذا التوجه للمحكمة الدستورية العليا في مصر : : د.رأفت فودة - مرجع سبق ذكره - ص226 وما بعدها .
(5) راجع : حكم المحكمة الدستورية رقم 3-1986 (تفسير دستوري) .



-----------------------------------------------------------------------------------------------------

الخاتمة

بعد هذا العرض والمناقشة لنظرية أعمال السيادة ، فإنه لا يخفى ما لهذه النظرية من آثار ونتائج خطيرة ، لذلك فإننا نؤيد ما ذهب إليه الفقه من مخالفة هذه النظرية لمبدأ المشروعية وسيادة القانون ، ومخالفتها للنصوص الدستورية التي تقضي بكفالة حق التقاضي ، وتعديها على حقوق الأفراد وحرياتهم .

لذلك فإننا لا نملك - في ختام هذا البحث - إلا أن ندعو إلى إلغاء هذه النظرية من عالم القانون بل وإنكار وجودها ، والاستعاضة عنها بنظريات أخرى مثل نظرية الضرورة ونظرية السلطة التقديرية وقواعد الاختصاص القضائي ، حيث أن في هذه النظريات ما يكفل عدم تعطيل الإدارة عن أداء مهامها من ناحية ، وحماية مبدأ المشروعية وصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم من ناحية أخرى .

ولا يفوتنا أن ندعو المشرع الكويتي والقضاء الكويتي إلى تبني هذا الرأي نظراً لما يتميز به من ترسيخ لمبدأ المشروعية وتدعيم لحقوق الأفراد وحرياتهم وتوافق مع المنطق القانوني السليم ، كما لا يفوتنا أيضاً أن ندعو المشرع الكويتي إلى إلغاء المادة الثانية من المرسوم بالقانون رقم 23-1990م في شأن تنظيم القضاء ، الذي يمنع المحاكم من نظر أعمال السيادة .

---------------------------------------------------------------------------------------------------
المراجع

1 - د. أحمد مليجي : تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائي ، دار النهضة العربية .
2 - تركي المطيري : مدى دستورية النصوص التشريعية المحصنة لبعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء ، من إصدار إدارة البحوث والدراسات بمجلس الأمة 1998م .
3 - ذهيبان العجمي : القيود الواردة على حق التقاضي ومدى مخالفتها لنصوص الدستور ، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في كلية الحقوق بجامعة الكويت ، 1997م .
4 - د. رأفت فودة : مصادر المشروعية ومنحنياتها ، دار النهضة العربية 1994م .
5 - د. سليمان الطماوي : النظرية العامة للقرارت الإدارية ، الطبعة السادسة .
6 - د. طعيمة الجرف : مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون ، دار النهضة العربية .
7 - د. عبدالغني بسيوني عبدالله : القضاء الإداري ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، طبعة 1996م .
8 - د. عثمان خليل عثمان : مجلس الدولة ورقابة القضاء لأعمال الإدارة ، عالم الكتب ، الطبعة الخامسة 1962م .
9 - د. عثمان عبدالملك : السلطة اللائحية للإدارة في الكويت ، بحث منشور في مجلة الحقوق ، ملحق العدد الأول ، السنة الأولى ، يناير 1977م .
10 - محمد عبدالسلام : أعمال السيادة في التشريع المصري ، بحث منشور في مجلة مجلس الدولة التي يصدرها مجلس الدولة المصري ، السنة الثانية ، يناير 1951م .
11 - د. محمود حافظ : القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن ، دار النهضة العربية ، 1993م .
12 - د. محمود سامي جمال الدين : الرقابة على أعمال الإدارة ، طبعة 1992م .

*******************************************

منقول من موقع مجلس الامة الكويتي

Hulhg hgsdh]m












عرض البوم صور محامية عمانية   رد مع اقتباس
قديم 05-19-2010, 02:27 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
لندن
اللقب:
مشرف قسم القوانين الاجنبية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية لندن

البيانات
التسجيل: Mar 2010
العضوية: 1805
المشاركات: 548 [+]
بمعدل : 0.34 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
لندن غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محامية عمانية المنتدى : منتدى القانون الاداري
افتراضي

شكرا أختي العزيزة على مجهودك



وجدير بالإشارة أن مبدأ فصل السلطات قد بدأت فكرته على يد أرسطو ولكن جسدها ودعا إليها مونتيسكو الفرنسي وينسب إليه هذا المبدأ وقد توفي مونتيسكو عام 1755م .












توقيع : لندن

GREAT BRITAIN LONDON


التعديل الأخير تم بواسطة لندن ; 05-19-2010 الساعة 02:31 PM
عرض البوم صور لندن   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعمال, السيادة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السلطة السياسية و السيادة مجان منتدى البحوث والكتب القانونية 29 04-05-2014 08:04 PM
اللائحة التنفيذية لقانون السياحة سيف الحوسني اللوائح والقرارات الوزارية . 29 04-26-2013 06:39 PM
بدء أعمال المؤتمر الدولي لحق العودة مذيع نشرات الاخبار قسم خاص بالحريات والحقوق 1 01-27-2011 03:07 PM
كيف تخرج الدجاجه من عنق الزجاجة!!!! سيف الحوسني استراحة القانوني 4 03-13-2010 09:36 AM
وزيرة السياحة: تعديلات قانون السياحة على طاولة مجلس الوزراء سيف الحوسني منتدى الاخبار القانونية 1 11-24-2009 10:30 AM


الساعة الآن 02:41 PM بتوقيت مسقط

أقسام المنتدى

منتدى القانون المدني @ منتدى قانون الجزاء @ منتدى العلوم السياسية @ القانون التجاري @ منتدى القانون الاداري @ منتدى قانون الاحوال الشخصية @ منتدى قانون تنظيم الاتصالات @ المنتدى القانوني العام @ ملتقى طلاب كلية الحقوق @ منتدى البرامج القانونية @ منتدى المحامين العمانين @ منتدى الاستشارات القانونيه @ منتدى القضاء العماني @ منتدى البحوث والكتب القانونية @ قانون المعاملات الإلكترونية @ استراحة القانوني @ منتدى قانون العمل @ ¤©§][§©¤][ قسم القانـــــون الخاص][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قســم القانــــون العــــام][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قسم كليـــــــــــة الحقوق][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ المنتدى القانوني العام][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ القسم القانوني المهني][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قسم الاقتراحات والشكاوى][¤©§][§©¤ @ الاقتراحات والشكاوى @ منتدى الاخبار القانونية @ مجلس قضايا المجتمع @ قسم خاص بالقوانين واللوائح ، والاتفاقيات العمانية،والقرارات الوزارية @ قسم خاص بالحريات والحقوق @ ¤©§][§©¤][ المنتديات القانونية العربية والاجنبية ][¤©§][§©¤ @ قسم خاص بالاعلانات @ المنتديات القانونية الخليجية @ منتديات القانون المصري @ منتديات القانون العراقي @ المنتديات القانونية العربية @ Foreign Laws @ منتدى اقلام الاعضاء @ قسم خاص بالانشطة والفعاليات بالجامعة @ منتدى قانون الإجراءات المدنية والتجارية @ ¤©§][§©¤][ منتدى القوانين الاجرائية][¤©§][§©¤ @ منتدى قانون الإجراءات الجزائية @ المعهد العالي للقضاء @ الاخبار القانونية العربية @ الاخبار القانونية الاجنبية @ Omani Laws and Legislation @ منتديات القانون اليمني @ منتديات القانون الجزائري @ منتديات القانون السوري @ منتديات القانون التونسي @ منتديات القانون المغربي @ منتديات القانون الاردني @ منتديات القانون اللبناني @ منتديات القانون السوداني @ منتديات القانون الليبي @ منتديات القانون الاماراتي @ منتديات القانون السعودي. @ منتديات القانون الكويتي @ منتديات القانون البحريني @ منتديات القانون القطري @ قسم خاص بالقوانين العمانية . @ اللوائح والقرارات الوزارية . @ الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة . @ المنتديات القانونية العربية المختلفة . @ قسم خاص بالمشرفين @ قسم رسائل التوعية القانونية @



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir

HosTed By : W7YE4HOST.COM