محتوي اخر المواضيع هنا


منتديات القانون السوداني يحتوي هذا القسم على التشريعات والقوانين والمواضيع المتصلة بالقانون السوداني .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-21-2012, 05:35 AM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : صفة المستأجر والغرض من الإيجارة
المبادئ:

• قانون إيجار المباني لسنة 1991م
• غرض المؤجر– القانون الواجب التطبيق – تكيف العلاقة القانونية بالنظر للغرض من الإجارة.
لتكييف العلاقة القانونية بين المالك والمستأجر في المباني الحكومية لتحديد القانون الواجب التطبيق لا بد من التفرقة بين صفة المستأجر والغرض من الإجارة
إذا كانت إجارة المباني الحكومية لغرض عام أياً كان الحائز شخصية اعتبارية أو موظف عام فإن القانون الذي يحكم العلاقة هو قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م
الحكم:

القاضي: عبد الرحيم عبد الوهاب التهامي
التاريخ: 23/3/2007م

حاصل الوقائع كما يتبين من الوقائع أن المدعي (مجلس أباء مدرسة كسلا الأهلية) أقام الدعوى رقم (106/2006م) بتاريخ 15/3/2006م أمام محكمة كسلا المدنية طالباً الحكم بإخلاء المدعى عليهم من الأول وحتى السادس من الدكاكين الملحقة بالمدرسة الأهلية ، والزام المدعى عليه الأول بسداد متأخرات الأجرة البالغ قدرها (441.320.0 جنيهاً) وتكملة تشييد الدكان السادس المتفق عليه والزام المدعى عليهم جميعاً بالرسوم والأتعاب ، وقال شرحاً لذلك أنه اتفق مع المدعى عليه الأول على تشييد عدد (12) دكان ملحقة بالمدرسة وتأجيرها له بأجرة شهرية قدرها (25.000 جنيه) لكل دكان من الدكانين الستة وبمبلغ 50.000 جنيه لكل دكان من الدكاكين الستة الباقية ، وأن الأخير قام بتأجير عدد خمسة دكاكين للمدعى عليهم من الثاني وحتى السادس من الباطن ، وحيث أن المدعى عليه الأول المستأجر الأصيل فشل في سداد الأجرة المستحقة عليه من يوليو 2002م وحتى فبراير 2006م ، كما أنه لم يقم بتشييد الدكان السادس المتفق عليه ، أقام دعواه الماثلة بالطلبات أعلاه ، وعلى ضوء الإجراءات التي اطلعنا عليها يتبين أن المدعي توصل إلى تسوية مع المدعى عليهم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس على ضوئها صدر حكم رضائي في مواجهتهم ، وأصبحت الدعوى منازعة بين المدعي والمدعى عليه الرابع ، وبتاريخ 10/7/2006م قضت محكمة الموضوع بشطب الدعوى في مواجهة الأخير المدعى عليه الرابع استناداً على نص المادة (38/2) من قانون الإجراءات المدنية ، لم يَرْضَ المدعي بهذا الحكم فطعن فيه بالاستئناف رقم (135/2006م) أمام محكمة استئناف ولاية كسلا ، وقضت الأخيرة بتاريخ 24/8/2006م بإلغاء حكم محكمة الموضوع وإصدار حكـم جديد يقضي بإخلاء المدعى عليه الرابع من الدكان الذي يستأجره ، لم يقبل وكيل المدعى عليه الرابع بهذا الحكم ومن ثم كان هذا الطعن الذي أودع صحيفته بتاريخ 25/11/2006م ، من حيث الشكل الطعن مقبول حيث أنه قدم خلال القيد الزمني الذي نصت عليه المادة (208) من قانون الإجراءات المدنية وذلك بعد حصول الطاعن على الإذن رقم 187/2006م بتاريخ 13/11/2006م ، وفي الأسباب ينعي الطاعن الحكم المطعون بمخالفة القانون مستنداً في ذلك على الآتي:
1- لم تنتقل إدارة الدكاكين المستأجرة إلى المدعية إدارة المدرسة.

2- لم يفشل الطاعن في سداد الأجرة ولم يكن مستأجراً من الباطن وإنما كان شريكاً للمدعى عليه الأول (المستأجر الأصلي).

3- أخطأت محكمتا أول وثاني درجة في تكييف العلاقة القانونية التي تربط أطراف النزاع حينما لجأت إلى الاحتكام إلى قانون إيجار المباني في حسم النزاع ، بينما الثابت أن العقارات موضوع الدعوى هي مباني حكومية تابعة لوزارة التربية والتعليم وتبعاً لذلك فإن القانون الواجب التطبيق على النزاع هو قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1991م وليس قانون إيجار المباني لسنة 1991م ولهذه الأسباب التمس في الختام إلغاء الحكم المطعون فيه.
أتحنا الفرصة للمطعون ضده للرد وجاء رده على لسان محاميه الأستاذ/ تاج السر النور فيما نستطيع إيجازه بالأتي :
1- أن النزاع بخلاف ما يرى محامي الطاعن يحكمه قانون إيجار المباني لسنة 1991م ولا علاقة له بقانون إخلاء المباني العامة.

2- إن عقد الإيجار أبرم بين المدعى عليه الأول (المستأجر الأصلي) والمدعي ولا علاقة تربط بين الأخير والمدعى عليه الرابع (الطاعن) حيث أنه مستأجر من الباطن.

3- إخلال المستأجر الأصلي بالتزاماته التعاقدية ينسحب على المستأجر من الباطن ويبرر إخلاء الأخير من العقار ، وفي الختام التمس شطب الطعن وتأييد قضاء محكمة الاستئناف المطعون فيه.

بادي ذي بدء لا نجاري الأستاذ الطاعن في الفهم حول أن القانون الواجب التطبيق على النزاع المطروح هو قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م ونرى بخلاف ذلك أن المحاكم الأدنى كانت محقة في تكييفها للعلاقة القانونية التي تربط أطراف النزاع وإعمالها لمواد قانون أيجار المباني لسنة 1991م ، لحسم النزاع الدائر بينهما ، صحيح أن العقارات موضوع الدعوى تتبع للمدرسة الأهلية كسلا وأن المدرسة بدورها تتبع لوزارة التربية والتعليم ، ولكن هذا ليس بدعاء كاف يجعل القانون الواجب التطبيق على النزاع الذي نشب بين المالك والمستأجرين بموجب عقد إيجار هو قانون إخلاء المباني العامة ، ولو تم التسليم بأن العقارات موضوع الدعوى هي مباني حكومية فإن ذلك وحده لا يكفي لانطباق قانون إخلاء المباني العامة على النزاع المطروح ، فلا بد من التفرقة بين صفة المستأجر والغرض من الإجارة ، فإذا كان العقار منحت حيازته لغرض عام أياُ كان الحائز شخصية اعتبارية أو موظفاً عاماً فإن القانون الذي يحكم هذه العلاقة ويختص بالفصل في أي نزاع ينشأ بين الطرفين هو قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1991م ، أما إذا منحت حيازة العقار الحكومي للمستأجر بغرض تجاري أو استثماري كالحالة التي بين أيدينا في هذا النزاع فإن الحكومة مالك العقار ينطبق عليها في هذه الحالة وصف المؤجر ويضحى قانون أيجار المباني لسنة 1991م هو القانون الذي يحكم العلاقة بين الطرفين والواجب التطبيق للفصل في أي نزاع ينشأ بين الحكومة والمستأجر وتبعاً لذلك تنحسر أي رقابة لقانون إخلاء المباني العامة متى كان الغرض من استئجار العقار الحكومي هو تجاري أو استثماري ، كما لا نجاري محكمة الاستئناف الموقرة ومن قبلها محامي المطعون ضده المحترم الفهم فيما ذهبوا إليه حول ارتباط مصير المستأجر من الباطن الأزلي بمصير المستأجر الأصلي ، فهذا القول لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه فقد يختلف الحال بحسب نوع العلاقة التي تربط المالك بالمستأجر من الباطن ، فمتى قام المستأجر الأصلي بإيجار العين المستأجرة إلى مستأجر آخر من الباطن دون علم وموافقة المالك فإن إخلال المستأجر الأصلي بالتزاماته التعاقدية تجاه المالك ( المؤجر) تنسحب على المستأجر من الباطن وتزول حيازة الأخير وتنعدم بزوال حيازة المستأجر الأصلي بسبب بطلان وانعدام الرابطة بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن ، ولا يقدح في ذلك وفاء المستأجر من الباطن بكافة التزاماته تجاه المستأجر الأصلي ، أما إذا تمت الإجارة من الباطن بعلم وموافقة المالك فإنه لا يوجد هناك ثمة ارتباط مصيري بين المستأجر الأصلي (السابق) والمستأجر من الباطن لأن العلاقة الاجارية في مثل هذه الحالة تنتقل مباشرة بين المالك والمستأجر من الباطن ويضحى الأخير مستأجر أصلي وتنعدم علاقة المستأجر السابق بحيث لا أثر لإخلاله بالتزاماته قبل المالك على العلاقة الاجارية المباشرة التي نشأت بين المالك والمستأجر من الباطن.

أعود لموضوع النزاع وأجد أن محكمة الموضوع وقعت في أخطاء فادحة وجارتها في ذلك محكمة الاستئناف وكانت المحصلة حكمين غير سليمين.

فأول أخطاءِ محكمة الموضوع إنها قضت بشطب الدعوى في مواجهة الطاعن ( المدعى عليه الرابع) بعد رده على صحيفة الدعوى وفي هذه المرحلة المتأخرة من الإجراءات مستندة في ذلك على نص المادة 38(2) من قانون الإجراءات المدنية ، وغني عن البيان أن الشطب بموجب المادة 38(2) من قانون الإجراءات المدنية قاصر على صحيفة الدعوى في مراحلها الأولى وهو شطب إجرائي وليس موضوعياً تلجأ إليه المحكمة ابتداءً عند فحصها لعريضة الدعوى وقت تقديمها وقبل قبولها ففي هذه المرحلة يجوز لها شطب العريضة عملاً بنص المادة أعلاه في حالتين إذا تبين لها إنها لا تحمل سبباً للدعوى ، أو أن المحكمة غير مختصة بنظرها ، أما إذا قبلت المحكمة عريضة الدعوى وقامت بتصريحها وسمحت للخصوم بالرد عليها وتقديم دفاعهم وسارت الإجراءات إلى حين الفصل الموضوعي في الدعوى فإن الحكم الذي تصدره أياً كان منطوقه يقع تحت طائلة مواد الفصل الأول بالباب الخامس من قانون الإجراءات المدنية المادة (101) وما بعدها ، ولا مجال هنا لانطباق أو إعمال نص المادة 38(2) من قانون الإجراءات المدنية ، وفي الدعوى الماثلة كما هو ثابت قبلت محكمة الموضوع صحيفة الدعوى وقامت بتصريحها وأتاحت الفرصة للمدعى عليهم للرد عليها وسارت بالإجراءات إلى أن توصل المدعى عليهم ما عدا المدعى عليه الرابع (الطاعن) إلى تسوية مع المدعي ، واحتفظت له بحقه في إصدار حكم رضائي ، وسمحت للمدعى عليه الرابع (الطاعن) بالرد على الدعوى وتقديم دفاعه ورد الأخير علـى الدعوى ونازع بعض فقراتها ، ثم قفزت المحكمة بالإجراءات وقضت في الدعوى موضوعاً بشطبها واستندت في ذلك على نص المادة 38(2) من قانون الإجراءات المدنية ، وهو استناد خاطئ يخالف القانون ، وبالرغم من أن محكمة الاستئناف قد أشارت في حكمها إلى هذا الخطأ إلا أنها لم تعمل على تصحيحه.

وثاني الأخطاء التي وقعت فيها محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف ، أن المدعى عليه الرابع (الطاعن) في رده على صحيفة الدعوى أنكر الفقرة (الخامسة) منها المتعلقة بالإيجار من الباطن مقرراً بأنه كان يستأجر العقار موضوع الدعوى بعلم وموافقة (المدعي) وقد أغفلت محكمة الموضوع هذه النقطة الهامة من النزاع ولم تقف عندها وقفزت بالإجراءات مباشرة إلى مرحلة الحكم وقضت في موضوع الدعوى بشطبها ، والثابت أن المدعي يؤسس دعواه في مواجهة المدعى عليهم من الثاني وحتى الخامس بدعوى أنهم مستأجرون من الباطن من غير علمه وموافقته ، فلو صح إنكار المدعى عليه الرابع لهذه النقطة وثبت أنه كان يستأجر العقار موضوع الدعوى بعلم وموافقة المالك حسب ما يدعي لتغير مسار النزاع بتغير العلاقة التي تربط المالك بهذا المستأجر ، ومعلوم أن موافقة المالك أو إجازته الصريحة أو الضمنية للإجارة من الباطن هي مسألة تتعلق بالوقائع يمكن استنباطها من كافة الوسائل الممكنة سواء كانت كتابة أو غيرها ، ولذلك كان ينبغي على محكمة الموضوع أن تتوقف عند هذه النقطة من النزاع عملاً بنص المادة (79) من قانون الإجراءات المدنية وأن تتيح الفرصة للمدعى عليه الرابع تقديم الأدلة التي يستند عليها في إثبات ذلك ، وأن تقضي في الدعوى بعد ذلك على ضوء وقائع متكاملة ، ويلاحظ أن محكمة الاستئناف وقعت في نفس الخطأ عندما أهملت هذه النقطة الجوهرية من النزاع وقضت بإخلاء المدعى عليه الرابع (الطاعن) من العقار ، مستندة في ذلك على إجراءات مبتورة ووقائع لم تكتمل ودفاع لم يتحقق ، ومما سلف يبقى الحكم المطعون فيه مشوباً بعيب القصور ومجافاة العدالة لكونه لم يشتمل على ما يفيد إلمامه الكامل بكافة الوقائع وأسانيد الخصوم ، مما يتعين نقضه وحكم محكمة أول درجة وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للتحقق من دفاع المدعى عليه الرابع (الطاعن) وصولاً لوجه الحق في الدعوى.


القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 24/3/2007م

بعد المداولة أوافق.


القاضي: جعفر اركة أبو طاهر
التاريخ: 25/3/2007م

أوافق.

الأمر النهائي:

1- يقبل الطعن.
2- ينقض حكم محكمة الاستئناف محل الطعن القاضي بإخلاء الطاعن المدعى عليه الرابع وينقض حكم محكمة الموضوع القاضي بشطب الدعوى في مواجهته.
3- نعيد الأوراق لمحكمة الموضوع للعمل وفق موجهات هذا الحكم.


إبراهيم محمد المكي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
26/3/2007م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:36 AM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : التنازل عن الإيجارة والإيجار من الباطن
المبادئ:

• قانون إيجار المباني لسنة 1991م– التنازل عـن الإيجار – الإيجار من الباطن – الفرق بينهما – المادة 15(1) (أ ) من القانون. قانون إيجار المباني لسنة 1991م – الإخلاء – للإيجار من الباطن – الأساس القانوني المادة 11(1) (ي) من القانون.
1- التنازل عن الإيجار اتفاق يقصد به نقل حقوق والتزامات المستأجر الناشئة عن عقد الإيجار إلى المتنازل إليه ، أما الإيجار من الباطن فهو عقد يلتزم بمقتضاه المستأجر الأصلي أن يمكن شخصاً ثالثاً ( المستأجر من الباطن ) من الانتفاع بهذا العقار مدة معينة لقاء أجر معلوم.
2- العلاقة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لا تعدو أن تكون مجرد ترخيص لشغل العقار والانتفاع به ، لذلك فإن وفاء المستأجر من الباطن بالتزاماته بموجب عقد الإيجار من الباطن ، في ظل وقوع إخلال بعقد الإيجار الأصلي ، لا يحميه ولا يعفيه من مغبة هذا الإخلال ونتائجه وإذا كان ثمة ضرر حاق به فإن رجوعه يكون للمستأجر الأصلي.


الحكم:

المحكمة العليا

القضاة:
سعادة السيد / أحمـد البشير محمد الهادي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ د.بدريه عبد المنعم حسونة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محي الدين سيد طاهــر قاضي المحكمة العليا عضواً

الأطراف:
آمنة النعيم علي وأخرى الطاعنتان
// ضد //
نجم الدين عبد العزيز المطعون ضده

النمرة م ع/ط م/319/2000م
الحكـــم

القاضي: محي الدين سيد طاهر
التاريخ : 14/6/2000م

أقامت الطاعنتان الدعوى المدنية 1202/1998م – أمام محكمة الخرطوم الجزئية في مواجهة المطعون ضده وأخرين تأسيساً على أن المدعى عليه الأول يستأجر ثلاثة دكاكين بالعقار المملوك للطاعنتين باجرة شهرية قدرها 1050 جنيهاً وأنه استخداماً للترخيص الممنوح له بالتأجير من الباطن قام بتأجير الدكاكين الثلاثة المذكورة للمدعى عليهم الثاني والثالث والرابع والأخير هو المطعون ضده في هذا الطعن ، وأن المدعى عليهم الثاني والثالث والرابع والأخير هو المطعون ضده قي هذا الطعن ، وأن المدعى عليهم الأربعة فشلوا في الوفاء باجرة شهري أبريل ومايو 1998م لذلك فإن الطاعنتين قد التمستا إخلاء المدعى عليهم الأربعة مع إلزامهم بدفع المتأخرات البالغ قدرها (2100) جنيه.
أنكر المدعى عليه الأول المستأجر الأصلي الدعوى حيث دفع بسداد المتأخرات المطالب بها بينما ناهض المستأجرون من الباطن ومن بينهم المطعون ضده الدعوى بالوفاء بالأجرة إلى المستأجر الأصلي.
وبعد الاستماع إلى طرفي النزاع أصدرت محكمة الموضوع حكمها بإخلاء المدعى عليهم جميعاً مع إلزامهم بمتأخرات الأجرة والرسـوم والأتعاب على سبيل التضامن والانفراد . رفع المطعون ضده وهو المدعى عليه الرابع بوصفه مستأجراً من الباطن مأذونا له استئنافاً أمام محكمة استئناف الخرطوم طاعناً في صحة الحكم الصادر بإخلائه بدعوى أنه لا تربطه بالطاعنتين (المدعيتين) أية علاقة قانونية ، ولقد استجابت محكمة الاستئناف لطلبه فألغت الحكم المستأنف وأمرت بشطب الدعوى في مواجهة كل المستأجرين من الباطن مع إلزام المستأجر الأصلي بمتأخرات الأجرة وإلغاء الحكم الصادر بالإخلاء في مواجهته بحجة أنه كان يجب إقامة الدعوى منذ البداية ضد المستأجر الأصلي وحده.
وضد هذا الحكم الاستئنافي جاء هذا الطعن بالنقض الذي تتلخص أهم أسبابه في خطأ مذهب الحكم المطعون فيه في حصر الخصومة في المستأجر الأصلي دون المستأجرين من الباطن لاستحالة تنفيذ أي حكم يصدر بالإخلاء بحق المستأجر الأصلي ضد المستأجرين من الباطن لأنهم لم يكونوا طرفاً في الدعوى كما أن الجزاء القانوني للإخلال بواجب أداء الأجرة هو الإخلاء.
أعلن المطعون ضده بالطعن فأودع رده عليه مؤكداً صحة الحكم المستند إلى عدم وجود أية علاقة قانونية تربط المطعون ضده بالطاعنتين. وعلى الرغم من أن هذا الطعن يثير مسألة قانونية محضه عن العلاقات الناشئة بين الأطراف الثلاثة القائمة على عقدي الإيجار الأصلي والإيجار من الباطن إلا أن هناك جوانب أخرى يجب الإشارة إليها بعضها متعلق بالوقائع وبعضها خاص بأسلوب وطريقة فصل محكمة الاستئناف في الطلب المرفوع إليها.
أما من حيث الواقع فإن فشل المستأجر الأصلي في النهوض بالتزامه بدفع المتأخرات لم يعد محل جدل ، وقد اتفقت المحكمتان الأدنى درجة على ذلك ولقد أمنّ هو نفسه على ذلك بسكوته عن الطعن في الحكم الصادر في هذا الخصوص من المحكمتين معاً خاصة محكمة الموضوع التي لم يطعن في حكمها أمام محكمة الاستئناف الأمر الذي يقودنا مباشرة إلى الخطأ الذي ارتكبته هذه المحكمة حيث قضت بشطب الدعوى في مواجهة المستأجرين من الباطن وهم ثلاثة بينما لم يطعن في الحكم أمامها سوى واحد هو المطعون ضده في هذا الطعن وسكت الباقون بما فيهم المستأجر الأصلي عن الطعن فيه رغم أن الحكم الصادر بالإخلاء يؤثر على مصالحهم تأثيراً بالغاً لأن أقلهم ضـرراً وهـو المستأجر الأصلي ظل يدفع أجرة شهرية قدرها (1050) (ألف وخمسون) جنيه بينما يستوفي من المستأجرين من الباطـن أجرة قدرها ( 120.000) لذلك كان من قبيل الخطأ الفادح أن تلغي محكمة الاستئناف حكماً لم يشأ ذو الشأن الطعن فيه ، وقد قادها هذا الخطأ إلى الوقوع في تناقض بين إذ أنها رغم ترتيبها لمسئولية المستأجر الأصلي عن المتأخرات بما اعتبرته إخلال بالتزامه بالوفاء بالأجرة إلا أنها لم تستطع أن ترتب على ذلك النتيجة القانونية والمنطقية وهى الإخلاء لعلمها بحقيقة أنه لا يشغل العقار بنفسه إنما يشغله المستأجرون من الباطن.
وبعد ، فإن مقطع النزاع أصبح محصوراً في العلاقة القانونية التي تربط الأطراف الثلاثة المؤجر والمستأجر الأصلي والمستأجرين من الباطن أو بالأحرى المستأجر من الباطن المعني وهو المطعون ضده في هذا الطعن ، وبطبيعة الحال فإن أية محاولة لافراغ هذا الخلاف في إطاره وقالبه الأكثر قرباً للنظام القانوني القابل لاستيعابه يجب أن تصوب نحو أحكام التصرف في الإيجارة والذي لا يخرج بدوره عن كونه تنازلاً عن الإيجارة أو إيجاراً من الباطن ولما كان هناك خلط وعدم تمييز بينهما لدى الكثير من المتعاملين في إيجار العقارات بل أن هذا الخلط قد يقع فيه المشرع نفسه كما هو الحال مع بعض نصوص قوانين تقييد الإيجارات المتعاقبة وبعض أحكام قانون المعاملات المدنية فإن المقام يقتضي إيراد تعريف موجز ولكنه جامع يحدد عناصر وخصائص كل منهما يتجسد في أن التنازل أو النزول عن الإيجار اتفاق يقصد به نقل حقوق والتزامات المستأجر الناشئة عن عقد الإيجار إلى المتنازل إليه فهو بهذه المثابة يتضمن حوالة كاملة لعقد الإيجار يشتمل على عمليتين قانونيتين في وقت واحد ، حوالة حق بالنسبة إلى حقوق المستأجر وحوالة دين بالنسبة لالتزاماته , أما التأجير من الباطن فهـو عقد يلزم بمقتضاه المستأجر (الأصلي) الذي يستأجر العقار بموجب عقد إيجار سابق أن يمكن شخصاً ثالثاً ( المستأجر من الباطن ) من الانتفاع بهذا العقار مدة معينة لقاء أجر معلوم ، ومؤدى هذا التعريف أن التأجير من الباطن يترتب عليه نشوء عقد إيجار جديد طرفاه المستأجر الأصلي ويقوم في هذا الخصوص بدور المؤجر وشخص ثالث أجنبي عن الإيجار الأصلي يأخذ دور المستأجر في الإيجار الجديد ويسمى بالمستأجر من الباطن تمييزاً له عن المستأجر الأصلي.
وبتمحيص العلاقة بين الأطراف المتنازعة على ضوء هذا المعيار للتمييز بين التنازل عن الإيجار والإيجار من الباطن فإن المستأجر الأصلي وبإبرامه عقود إيجار مستقلة مع المستأجرين من الباطن ووفق شروط مختلفة عن شروط العقد الأصلي الذي يربطه بالمؤجر من حيث المدة والأجرة الخ… يكون في مركز المستأجر بالنظر إلى علاقته مع المؤجر وفي مركز المؤجر بالنسبة إلى علاقته مع المستأجرين من الباطن لذلك فإن العلاقتين كلتيهما قائمتان ولكن على استقلال لأن من شأن التنازل أن يحرم المستأجر الأصلي من كل حقوقه ويعفيه من كل التزاماته التي كان يقررها عقد الإيجار ما لم يستمر في علاقته مع المؤجر ككفيل للمستأجر الجديد بينما المستأجر الأصلي في الحالة المعروضة ما زال ملتزماً بكافة بنود عقده مع المؤجر (الطاعنين) كما أن المستأجرين من الباطن ظلوا ملتزمين بالوفاء بشروط عقودهم نحو المستأجر الأصلي بل أن دفاعهم أصلاً قائم على هذا الوفاء الأمر الذي يسبغ على العلاقة وصف التأجير من الباطن أكثر مما يضفي عليها صفة التنازل عن الإيجار , ويترتب على ذلك ( أي على عقد الإيجار من الباطن ) أن يتحمل كل من المؤجر والمستأجر جميع الالتزامات التي ينشئها الإيجار عموماً على عاتق طرفيه فيلتزم المستأجر الأصلي بوصفه مؤجراً بتسليم العقار إلى المستأجر من الباطن وأن يتعهد بصيانته وأن يضمن له انتفاعاً هادئاً به ، كما ثبت للمستأجر الأصلي جميع حقوق المؤجر بما في ذلك الحق في تقاضي الأجرة المتفق عليها وبنفس القدر فإن المستأجر من الباطن يلتزم في مواجهة المؤجر له (المستأجر الأصلي) بجميع الالتزامات التي يفرضها عقد الإيجار على المستأجر بصفة عامة كالوفاء بالأجرة والمحافظة على العقار ورده عند إنتهاء مدة الإيجار.
وإذا كان المستأجرون من الباطن يدفعون بعدم وجود علاقة تربطهم بالمؤجر الأصلي وأن وفاءهم بالأجرة إلى المستأجر الأصلي يبرئ ذمتهم ويرفع مسئوليتهم عن أي إخلال بالعقد وقع من جانب المستأجر الأصلي فإن السؤال المشروع هو ما حظ هذا الدفع من الصحة ؟
طبقاً للقواعد القانونية التي تنظم علاقة أطراف النزاع الثلاثة في ظل الاعتراف الضروري بأن النصوص القانونية المعنية الواردة بقوانين تقييد الإيجارات أو قانون المعاملات المدنية وكذلك بعض السوابق القضائية قد درجت على استخدام مصطلح التأجير من الباطن للدلالة على التنازل عن الإيجار واستعمال تعبير التنازل أو تحويل الإيجار للدلالة على التأجير من الباطن أو الإشارة إلى كليهما باعتبار أنهما يعبران عن شيء واحد ، ومع ذلك فإن تكييف علاقة المستأجرين من الباطن على أساس أنهم متنازل إليهم عوضاً عن كونهم مستأجرين من الباطن يفاقم من مسئولياتهم القانونية بحيث أصبح الوفاء بالأجرة مباشرة إلى المؤجر الأصلي من أهم التزاماتهم التي آلت إليهم بموجب عقد التنازل وهي نتيجة لا رغبة لهم فيها كما أنهم لا يقرونها مطلقاً بنفي مبدأ الالتزام نفسه بذريعة عدم وجود علاقة تربطهم بالمؤجر الأصلي لذلك وفي نطاق أحكام التأجير من الباطن فإن كافة قوانين تقييد الإيجارات منذ عام 1943م ما عدا قانوني عام 1982م-1991م قد جرت على حماية المستأجر من الباطن من مغبة أي أمر يصدر في مواجهة المستأجر الأصلي باسترداد الحيازة منه , أيا كان سبب هذا الاسترداد إلا أن المادتين 14/19/4 من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م تعبران عن المبدأ في أفضل صوره من حيث الصياغة إذ تقول المادة (14) ( أي أمر يصدر بالحيازة ضد المستأجر لأية مبان لا يؤثر في حق أي مستأجر من باطنه استؤجرت له تلك المباني أو أي جزء منها بوجه شرعي قبل الشروع في إجراءات استرداد الحيازة لا يكون سارياً على أي مستأجر من باطنه ).
أما المادة 19/4 فتجري على النحو التالي :
( إذا انتهت مصلحة أي مستأجر في أية مبان نتيجة لصدور أمر بالحيازة أو لأي سبب آخر يعتبر المستأجر من الباطن الذي استأجر المباني أو أي جزء منها بطريقة مشروعة من المستأجر الأول مع مراعاة نصوص هذا القانون مستأجراً من المؤجر بنفس الشروط التي كان يرتبط بها المستأجر الأول فيما لو استمرت الإيجارة ).
هذه الحماية التي يسبغها القانون على المستأجر من الباطن عند انتهاء الإيجار الأصلي على الرغم من تعارضها مع مذهب المطعون ضده المستأجر من باطنه بالا علاقة تربطه بالمؤجر لا يوجد لها تبرير مقبول عقلاً أو منطقاً لأنه يؤدي إلى خلق علاقة مباشرة بين المؤجر الأصلي والمستأجر من الباطن يحل فيها الأخير محل المستأجر الأصلي الذي انتهت مصلحته في حيازة العقار وهذا الحكم لا يتسق مع خصائص وطبيعة التأجير من الباطن بحيث تكون العلاقة بين طرفي عقد التأجير من الباطن ومع ذلك فإنه من الجائز حمل هذا الحكم عكس ما جرت به بعض السوابق القضائية من أن تعامل المؤجر الأصلي مع المستأجر من الباطن مباشرة وتسلمه للأجرة منه يعتبر قبولاً ضمنياً لإنهاء العقد مع المستأجر الأصلي :
1- إبراهيم العربي //ضد// حسن الحكيم – المجلة 1961م ص 124.
2- فاطمة حبيب //ضد// السارة بنت فضل المجلة 1962م ص 64.
3- المجلة 1975م ص 214.
ولكن هذا المبدأ لم يرد إلا في معرض الاكتفاء بهذه الدلالات والمؤشرات بديلاً لموافقة المؤجر الكتابية على التنازل عـن الإيجار أو التأجير من الباطن، ولا تصلح بطبيعتها لأن تسند حق المستأجر من الباطن في شغل العقار بعد استرداد الحيازة من المستأجر الأصلي الذي استمد حقه عن طريقه ويبدو أن مجافاة هذا الحكم للمنطق هو الذي أدى إلى نبذه حيث لم يضمن في أي قانون لاحق على قانون عام 1953 ، فما هو وضع المستأجر من الباطن في ظل القوانين السائدة اليوم؟
أما قانون إيجار المباني لسنة 1991م فقد خلا من أي نص يعالج هذه المسألة مما يدعو إلى الاستئناس بالقواعد العامة المضمنة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولقد تناول هذا القانون في المادة 320 منه الآثار القانونية للتأجير من الباطن فنصت الفقرتان (4) و(5) منها على:
(4- إذا أجر المستأجر المأجور بإذن المؤجر فإن المستأجر الجديد يحل محل المستأجر الأول في جميع الحقوق والالتزامات المترتبة بمقتضى العقد الأول.
5- إذا فسخ عقد الإيجار المبرم مع المستأجر الأول كان لمؤجره حق نقض العقد المبرم مع المستأجر الثاني واسترداد المأجور).
وبغض النظر عن استعمال المشرع لصيغة التأجير في عبارة (إذا أجر المستأجر) وما يثيره في الذهن من معنى محدد فإن الأثر القانوني المترتب على هذا التأجير من حلول المستأجر الجديد محل المستأجر الأول ليس من طبيعة التأجير من الباطن بقدر ما يتفق مع أحكام التنازل أو النزول عن الإيجار حسبما أشير إليه آنفاً من أصول تميز التصرفين وتبين حدود كل منهما ، ومن شأن الحكم المتضمن في الفقرة(4) أن يصبح المستأجر الأول أو الأصلي من غير صفة لأن حقوقه والتزاماته الناشئة عن عقد الإيجار تنتقل إلى المستأجر الجديد.
وإذا كان من الجائز قبول هذا الحكم على مضض فإنه يتناقض تناقضاً حاداً مع ما جاء بالفقرة (5) من نفس المادة التي تجيز للمؤجر فسخ عقد المؤجر الثاني واسترداد المأجور منه إذا فسخ عقد الإيجار المبرم مع المستأجر الأول ووجه التناقض باد من حيث عدم وجود عقد إيجار أصلاً مع المستأجر الأول حتى يفسخ حيث استقرت العلاقة مع المستأجر الجديد بحلوله محل المستأجر الأول ولم يعد هناك علاقتان بل علاقة واحدة إذ أن هذا هو المفهوم بين نظرية الحلول ، أما إذا كان قصد المشرع قد اتجه نحو صيغة التأجير من الباطن فافرغها في قالب التنازل بحيث تكون هناك علاقتان مستقلتان بحيث يعتمد قيام الثانية على استمرار الأولى وتنتهي بانتهائها فإن هذا يتعارض مع مبدأ حلول مستأجر محل مستأجر آخر، كما أن استعمال مصطلح (أجر- إجارة) يعني خلق علاقة قانونية مستقلة قوامها التمكن من العقار من جانب المستأجر الأول والأجرة والالتزامات الأخرى من جانب المستأجر الجديد ولكن هذا التخريج لا يستقيم مع النتيجة المترتبة وهى حلول المستأجر الجديد محل المستأجر الأول في جميع الحقوق والالتزامات بمقتضى العقد الأول ، ولكن هذا التعارض الظاهري والذي يبدو وكأنه محاولة للتوفيق أو الأخذ بطرف من كل من فكرتي التنازل والتأجير من الباطن يتبدد عند الإمعان في الأحكام الأخرى الواردة بنص المادة (320) من القانون إذ أنه وعلى الرغم من إجازة المشرع إعارة المأجور أو تمكين الغير من الانتفاع به مما قد ينسجم مع فكرة التنازل بصفة مؤقتة وتأجيره للغير بما يتسق مع فكرة التأجير من الباطن إلا أن هذه الإجارة وما يتفرع منها من حق المستأجر الأصلي في التصرف في العقار المستأجر مقيدة بضرورة الالتزام بقيود المنفعة التي كان يملكها المستأجر نوعاً وزمناً الأمر الذي يعني عدم اختلاف طبيعة المنفعة المحالة للمستأجر الجديد من حيث مدة العقد والأجرة والشروط الأخرى المضمنة في عقد الإيجار الأصلي لأن المشرع اقتداء بأحكام الشريعة الإسلامية لا يعترف للمستأجر بحق استغلال العقار المستأجر بما يخالف شروط العقد الأصلي فليس له أن يتفق على أجرة تزيد عن الأجرة المنصوص عليها في عقده مع المؤجر ولا أن يتجاوز مدة العقد الأصلي ، ومع ذلك فإذا كان جائزاً القبول بحق المؤجر في استرداد العقار عند نهاية مدة العقد الأصلي فإن المعضلة تتمثل في حق المؤجر في نقض العقد المبرم مع المستأجر الثاني عند فسخ عقد الإيجار الأصلي بغض النظر عما إذا كان هذا العقد موجوداً في الأساس ، فإن الحل يكمن في رأيي في الاستعانة بمبدأ عدم انقضاء مسئولية المستأجر الأول (الأصلي) بمجرد تحويل حقوقه والتزاماته للمستأجر الثاني والإبقاء عليه كفيلاً يضمن حسن تنفيذ عقد الإيجار ومثل هذا الشرط مما تحتمله الحوالة بحيث لا تبرأ ذمة المحيل بمجرد انتقال حقوقه والتزاماته إلى المحال عليه ، هذا من حيث المبدأ أما من الناحية الواقعية فإن وجود عقدين أحدهما بين المؤجر والمستأجر الأصلي والآخر بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن واختلاف وتباين شروطهما من حيث الأجرة ومدة العقد يحول دون تطبيق نظرية الحلول ويجعل الصيغة المنصوص عليها في المادة (320/4/5) أقرب انطباقاً على حالة التنازل عن الإيجار منه إلى التأجير من الباطن رغم ما ينطوي عليه حكم الفقرة(5) من تعارض مع فكرة التنازل علاوة على اتساع دائرة الفسخ وتنوع أسبابه طبقاً لقانون المعاملات المدنية الأمر الذي لا يتسق مع حقيقة أن حالات الفسخ تحت قانون إيجار المباني لسنة 1991م محصورة في أسباب محددة مما لا يسمح بالاستعانة بحكم المادة (320) من قانون المعاملات المدنية للفصل في نزاع محكوم بقانون إيجار المباني مما يؤدي في النهاية إلى تعزيز القناعة بأن حكم المادة (320) يتسم بشيء من الغموض الذي تتنازعه فكرتان مختلفتان حاول المشرع جمعها في نص واحد هما التنازل عن الإيجار أو تحويله إلى الغير والتأجير من الباطن لذلك فإن هذا الحكم لا يقدم حلاً مقبولاً لوضع المستأجر من الباطن عند انتهاء أو فسخ عقد الإيجار الأصلي بموجب حكم قضائي بإخلاء المستأجر الأصلي من العقار ذلك أننا محكومون بالقواعد القانونية والمصطلحات التي أوردها قانون إيجار المباني لسنة 1991م بوصفه قانوناً خاصاً يحكم مثل هذا النزاع وملتزمون كذلك بالمعاني القانونية التي تثيرها تلك المصطلحات في الذهن ، ولقد استخدم القانون المذكور عبارات التنازل عن المباني أو تأجيرها من الباطن أو التخلي عن حيازتها (المادة 15) وفي ظل هذا القانون فإن اختلاف شروط عقد الإيجار من الباطن من الشروط المنصوص عليها في العقد الأصلي جائز ومسموح به خلافاً لما تنص عليه المادة 320/3 من قانون المعاملات المدنية القابلة بدورها على التطبيق على الحالات الأخرى غير الخاضعة لأحكام قانون إيجار المباني لسنة 1991م لذلك فإنها ليست عاطلة عن العمل تماماً.
وبعد فما هو الحل في ظل استبعاد حكم المادة (320) من قانون المعاملات وعلى ضوء ما تبين من هجر المشرع لقاعدة عدم تأثر المستأجر من الباطن بانتهاء عقد المستأجر الأصلي ، وفي هذا السياق فإن ما يدفع به المطعون ضده من انتفاء العلاقة العقدية مع الطاعنين غير مجد في هذا الخصوص لأن من شأنه قبول مثل هذا الدفع الإذعان لما قد يدعيه المستأجر من الباطن غير المصرح له بالاستئجار من الباطن من حق في البقاء بالعقار بمجرد أنه لا تربطه بالمؤجر أية رابطة بما يتيح له حق الاستناد إلى خطئه وهو في نفس الوقت سبب المطالبة بإخلائه ذلك أن العلاقة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لا تعدو أن تكون مجرد ترخيص له بشغل العقار والانتفاع به في حدود شروط عقد الإيجار من الباطن المبرم بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن ونهوض الأخير بالتزاماته بموجب ذلك العقد في ظل وقوع إخلال بالعقد الأصلي لا يحمي المستأجر من الباطن ولا يقيه من مغبة هذا الإخلال ونتائجه وإذا كان ثمة ضرر حاق به فإن رجوعه يكون على المستأجر الأصلي ، بل أن إمعان النظر في النصوص القانونية التي كانت تقتضي الحماية على المستأجر من الباطن عند استرداد الحيازة من المستأجر الأصلي يكشف أن الحالة مما تقع في دائرة نشوء علاقة مباشرة بين المؤجر والمستأجر من الباطن حيث أوردت آخر هذه النصوص وهى المادة 19/4 من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م عبارة (على شرط أن الأجرة التي يدفعها المستأجر من الباطن للمؤجر لا تقل عن الحد الأقصى لأجرة المباني) بما يعني أن هناك علاقة مباشرة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لأن دفع الأجرة بواسطة هذا المستأجر يقتضي حسب السوابق القضائية انتهاء عقد الإيجار الأصلي بحيث أصبح المستأجر من الباطن مستأجراً من المؤجر مباشرة ، وقد يقول البعض أن دفع الأجرة من قبل المستأجر من الباطن للمؤجر ليس إلا نتيجة طبيعية لبقائه بالعقار بعد رحيل المستأجر الأصلي وأنه ليس هناك من سبيل لإعفائه من دفع الأجرة مما لا ينهض دليلاً على نشوء علاقة جديدة مباشرة بعيدة عن دائرة حقه في الحماية كمستأجر من الباطن لا يقيم علاقته مع المؤجر على أنقاض علاقة الأخير مع المستأجر الأصلي أي أن هذه الحماية مصدرها الإيجارة من الباطن وليست علاقة أخرى جديدة قوامها دفع الأجرة إلى المالك مباشرة حيث أن ذلك أمر طبيعي يفرضه عليه بقاؤه بالعقار ، ولكن هذا التكييف مردود من واقع عبارات النصوص المعنية حيث تقول المواد المعنية من قوانين تقييد الإيجارات 1943م -1947م 1953م بصريح العبارة (عندما تنتهي مصلحة أي مستأجر نتيجة لأمر بالحيازة أو لأي سبب آخر يعتبر من استأجر المباني أو أي جزء منها بطريقة مشروعة من المستأجر الأول مستأجراً من المؤجر بنفس الشروط التي ارتبط بها المستأجر الأول كما لو استمرت اتفاقية الإيجارة) ولو كانت الحماية مستمدة من عقد التأجير من الباطن وحده لما الزم المستأجر من الباطن بالشروط التي ارتبط بها المستأجر الأصلي ولما كان هناك داع لاستمرار اتفاقية الإيجارة الأولى لكان في وسعه التشبث بشروط الإيجارة من الباطن إذا كانت أفضل من شروط الإيجارة الأصلية من حيث المدة والأجرة الخ… مما يعني في النهاية أن حقـه في الحماية غير مستمـد من عقد التأجير من الباطن ، كما يبدو واضحاً من جهة أخرى أن الحماية المعنية إنما تسبغ على المستأجر من الباطن الذي لم يكن طرفاً في الدعوى ولم يختصمه المؤجـر رغم أن بقاءه بالعقار مستند إلى الترخيص بالتأجير من الباطن الصادر منه ، أما إذا كان طرفاً في الخصومة وهو الإجراء الذي يقتضيه حسن الترافع في مثل هذه الحالات مع توفر السبب القانوني بمقاضاته فإنه لا يتمتع بتلك الحماية.
وحقيقة الأمر أن المستأجر من الباطن لا تربطه علاقة قانونية مباشرة بالمؤجر الأصلي سوى علاقة الترخيص بالتأجير من الباطن الممنوح للمستأجر الأصلي لذلك فإنه يستمد حقه في البقاء بالعقار من عقد الإيجار من الباطن المبرم مع المستأجر الأصلي ، وبقدر ما كان دفاع المطعون ضده صحيحاً في هذا الخصوص حيث دفع بعدم وجود ما يربطه بالمؤجر بقدر النتيجة التي رتبها على هذا الدفع خاطئة ليس فقط من جهة سهولة استخدام هذا الدفع نفسه كسلاح في مواجهته لإخلائه من العقار استناداً إلى انتفاء العلاقة التي تخوله البقاء بالعقار بما يعتبر معه متعدياً لا يسند وجوده به أي مبرر قانوني ولكن تعويلاً على أن حقه المستمد من عقد الإيجار من الباطن يدور وجوداً وعدماً مع بقاء هذا العقد ولما كان المستأجر الأصلي يستمد حقه في التأجير من الباطن من الاشتراطات التي نص عليها العقد الأصلي مع المؤجر فإن انقضاء هذا العقد الأخير بما يعنيه من سحب الحق في التأجير من الباطن يحتم انقضاء عقد الإيجارة من الباطن لأن محل ومضمون الإيجارة من الباطن يقع على حق المستأجر الأصلي في أن يؤجر العقار من باطنه وبانتهاء أو فسخ عقد الإيجار الأصلي لم يعد الحق في التأجير من الباطن موجوداً ، وإذا كانت الحالة المعروضة غير واضحة لسبب توهم المطعون ضده من أن نهوضه بواجبه في الوفاء بالأجرة للمستأجر الأصلي يعصمه من فسخ عقده أو إخلائه من العقار دون أن يتبع ذلك ببيان كيفية استمراره في شغل العقار والجهة التي سيكون مسئولاً أمامها في الوفاء بالتزاماته بعد انقضاء عقد الإيجار الأصلي فإن إنزال المبدأ المتقدم على حالة انتهاء عقد الإيجار الأصلي بانتهاء فترته الحكمية يعد خير مثال لضرورة انقضاء عقد الإيجار من الباطن تبعاً لذلك عندئذ لا يستطيع المستأجر من الباطن مناهضة حكم مقرر بقوة القانون معتمداً على نصوص عقد الإيجار من الباطن الذي لم تستوف مدته الفترة الحكمية المطلوبة لذلك فإن فسخ عقد المستأجر الأصلي يعني زوال الحق الممنوح له في تأجير العقار من الباطن مما يقتضي إخلاء المستأجر من الباطن تبعاً لفسخ الإيجار الأصلي.
ولقد أقرت محكمة النقض المصرية في عديد من أحكامها هذا المنحى من بينها:
1- نقض مدني 862/143 لسنة 1977م مجموعة النقض 28/ص1278 والذي جاء فيه ( أنه يشترط لانتفاع المستأجر من الباطن بحق البقاء في العين أن يكون الإيجار من الباطن قد تم صحيحاً بصدور الإذن وفقاً لأحكام القانون ، وفي هذه الحالة الأخيرة تكون الإيجارة من الباطن نافذة في حق المؤجر فلا يملك الأخير التعرض للمستأجر من الباطن ما دامت الإجارة الأصلية قائمة).
2- نقض مدني مجموعة الأحكام بالنقض س28/ص1446 ( المستأجر الأصلي ليس إلا مأذوناً له في ممارسته الترخيص بالإيجار من الباطن ، وارتباط عقد الإيجار من الباطن بعقد الإيجار الأصلي وجوداً وعدماً يبتدي من حيث أن مدة الإيجار الأصلي هـي الحصول عليها فإذا كانت مدة الإيجارة من الباطن أطول من مدة الإيجارة الأصلية فإن الإيجارة من الباطن لا تنفذ في حق المؤجر الأصلي فيما زاد عن مدة الإيجارة الأصلية إلا إذا أقر الأخير الإجارة عن المدة الزائدة وما لم تصدر تلك الموافقة أٌعتبر المستأجر من الباطن إزاء المؤجر شاغلاً للعين بدون سند ويصح طرده دون حاجة إلى التنبيه عليه بالإخلاء).
3- نقض مدني 1054/48 الصادر في 12/6/1983م مدونة القانون المدني الجزء الأول الإيجار ص 1143 ( لما كانت الطاعنة قد أسست دفاعها لدي محكمة الموضوع بدرجتيها على أن وضع يدها على عين النزاع يرتكن إلى التأجير من الباطن من المستأجر الأصلي واستندت في ذلك إلى إيصالات استلام الأجرة مضافاً إليها 70% مقابل التأجير من الباطن وكان المقـرر أن الإيجار من الباطن ينقضي حتماً بانقضاء الإيجار الأصلي وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أن الطاعنة قد أقرت بمذكرتها أنها مستأجرة لعين النزاع من باطنه من المستأجر الأصلي المصرح له بالتأجير من الباطن وكان عقد المستأجر من الباطن ينقضي حتماً بانقضاء عقد المستأجر الأصلي الذي انقضى لوفاته وإن كان ذلك يضحى يد الطاعنة على عين النزاع يد غاصب يتعين رفعها ، وإذا كان ارتكان الطاعنة إلى كونها مستأجرة من الباطن إلى نص المادة 23 من القانون 52/1969م لا غناء فيه إذ بانقضاء العقد الأصلي ينقضي حتماً عقد التأجير من الباطن ).
هذه النتيجة المنطقية التي تتسق مع طبيعة الدفاع الذي شرعه المطعون ضده في وجه الدعوى المقامة لإخلائه رغم أنه قد أثير لتحقيق آثار مختلفة تنسجم بدورها مع واقعة استقلال عقد الإيجار الأصلي عن عقد الإيجار من الباطن فطبقاً للعقد الأخير فإن المستأجر الأصلي الذي يعتبر مؤجراً بالنسبة للمستأجر من الباطن يلتزم بكافة الالتزامات التي يرتبها عقد الإيجار على المؤجر ومن بينها تمكين المستأجر من العين المستأجرة وضمان الانتفاع الهادئ ودفع تعرض الغير له ولما كان المستأجر الأصلي قد فشل في ذلك نتيجة إخفاقه في الوفاء بالأجرة المستحقة عليه مما خول المالك حق فسخ عقد الإيجار المبرم بينهما الأمر الذي عرض المستأجر من الباطن إلى خطر الإخلاء تهديداً لحقه في الانتفاع المادي بالعقار فإن مؤدى ذلك هو أن يرجع المستأجر من الباطن على المستأجر الأصلي بكل ما ترتب على إخلاله بالتزامه من أضرار يتمثل في التعويض لأن التنفيذ العيني بالالتزام أصبح مستحيلاً.
ولما كان حكم الاستئناف المطعون فيه قد حاد عن هذا النظر وادعى مشايعاً دفاع المطعون ضدهم بعدم صحة إقامة الدعوى أصلاً في مواجهتهـم فإن الرأي هو قبول هذا الطعن ونقض الحكم المطعون فيه واستعادة حكم محكمة الموضوع بإخلاء جميع المدعى عليهم أمامها رغم اختلافنا معها في تسبيبها لحكمها الذي شيدته على أساس أن المستأجر الأصلي وكيل عـن المستأجرين من الباطن يقوم بواجب توصيل الأجرة إلى المؤجر نيابة عنهم الأمر الذي يتناقض تماماً مع حقيقة ارتباطه بعلاقة مزدوجة مع الطرفين علاوة على أنه يقيم علاقة مع المستأجرين من الباطن وفق عقد مستقل تعود شروطه عليه شخصياً حقوقاً والتزامات كما أنه لا يسلم نفس الأجرة التي يستلمها من المستأجرين من الباطن لذلك فإن علاقة الوكالة لا تصدق على مثل هذه الحالة سواء كان الإدعاء بأنه وكيل عن المؤجر الأصلي أو المستأجرين من الباطن.

القاضي: أحمد البشير محمد الهادي
التاريخ : 19/6/2000م

لا شيء مفيد يمكن إضافته إلى مذكرة الرأي الأول ذات المجهود المقدر لهذا استحقت موافقتي عليها من حيث الأسباب والنتيجة.

القاضي: د. بدرية عبد المنعم حسونة
التاريخ : 21/6/2000م

أوافق.












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:37 AM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : الإعفاء من رسوم التقاضي
المبادئ:

• قانون الإجراءات المدنية 1983م– المقاضاة بدون رسوم - جائزة بموجب القانون وأي نص تشريعي في قانون آخر.
• قانون قوات الشعب المسلحة لسنة1986 م – الإعفاء من رسوم التقاضي بموجب المادة 46(5) من القانون.

1- الإعفاء من الرسوم القضائية في الحالات التي حددها قانون الإجراءات المدنية لا يمتنع معه الإعفاء من الرسوم إذا نص على ذلك قانون آخر.

2- نص المادة 39(5) من قانون قوات الشعب المسلحة لم يقصر الإعفاء من رسوم التقاضي لدى جهة معينة بل جاء مطلقاً.

الحكم:

القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 22/7/2003م

رفـع المراجع ضده الدعوى 1234/2000 أمام محكمة الخرطوم الجزئية في مواجهة مقـدم طلب المراجعة . تقدم المدعي وهو ضابط – بالمعاش – بقوات الشعب المسلحـة بطلب لإعفائه من رسـوم الدعـوى استناداً على نص المـادة 46(5) من قانون قوات الشعب المسلحة رفضت المحكمة الجزئية الاعتراض على هذا الطلب ، حيث صرحت الدعوى دون رسـوم.

أيدت هذا القرار المحكمة المدنية العامة . غير أن محكمة الاستئناف ألغت هذا القرار وأمرت بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في طلب الإعفاء وفقاً لقانون الإجراءات المدنية.

طعـن المراجع ضده في هذا الحكم أمام المحكمة العليا التي أصدرت حكمها في الطعن 555/2001م بالأغلبية بإلغاء حكم محكمة الاستئناف واستعادة قرار محكمة الموضوع بإعفاء الطاعن من رسوم الدعوى وذلك تأسيساً على أن نص المادة 46(5) من قانون قوات الشعب المسلحة قطعي الدلالة في الإعفاء من سداد رسوم التقاضي.

لم يجد هذا الحكم القبول من مقدم طلب المراجعة فتقدم بوساطة محاميه الأستاذ اسحق القاسم شداد بهذا الطلب – سبق قبوله شكلاً واكتملت إجراءاته بإيداع المراجع ضده لرده عليه.
يرى مقدم طلب المراجعة أن حكم المحكمة العليا موضوع طلب المراجعة جاء مخالفاً لمبادئ الشريعة الإسلامية تأسيساً على أنه فسر المادة (46) من قانون قوات الشعب المسلحة والتي تقرأ كالآتي:

يعفى ضباط قوات الشعب المسلحة في كل الرتب بعد بلوغ سن الخمسين من العمـر في الخدمـة أو المعاش من ضريبة عقار سكني واحـد فحسب يحدده هو ورسوم التقاضـي بتوصية من مديـر إدارة الشئون القانونية المختص يـرى أن تفسيرها مخالفاً للشريعـة الإسلامية ولم يبين لنا وجهة هذه المخالفـة.

1- إذ يـرى مقدم الطلب أن الإعفاء المقصـود هــو الإعفاء من ضريبة عوائد عقار ورسـوم التقاضي الخاصة بضريبة العوائد ويرى أن أي تفسير خـلاف هـذا أمـر غير سليم فالمـادة المذكورة لم تذكر رســوم التقاضي أمام المحاكـم والتفسير الذي أقرتــه المحكمة العليا يعطــى امتيازاً لفئة معينة دون وجه حق أو قانـون ويحـرم الخزينة العامـة من رسوم التقاضي في جميع أشكال الدعـاوى.

2- إن الإعفاء من الرسوم أمام المحاكم تختص به المحاكم وحدها ونص علـى ذلك قانون الإجراءات المدنية وهـذا طبقاً لقانـون تفسير القوانين والنصوص العامـة ( لم يبن النص ) ولم يشر إلى تعديل قانون قوات الشعـب المسلحة مـن قريب أو بعيد لقانون الإجـراءات المدنية.


3- أن نص المادة 39(5) من قانون قوات الشعب المسلحة لا يعفي على إطلاقه من رسوم التقاضي بل وفقاً للنص يعني الإعفاء من عوائد عقار واحد وما يتصل به من رسوم تقاضي أمام محكمة العوائد ولا يمتد للإعفاء من رسوم التقاضي أمام المحاكم المدنية.
بجانب ما تقدم استند مقدم الطلب على ذات الأسباب التي وردت في الرأي المخالف في الحكم المطلوب مراجعته.
تمسك المراجع ضده بصحة الحكم المطلوب مراجعته وعدم مخالفته للشريعة الإسلامية موضوعاً نرى:
أولاً : إن الاختلاف في تفسير نص من نصوص القانون لا ينهض كسبب لمراجعة حكم المحكمة العليا إلا إذا قاد هذا التفسير إلى الوصول إلى حكم يخالف الشريعة الإسلامية أو القانون مخالفة بينة لمخالفته لقواعد التفسير.
ثانياً: من الواضح أن مقدم الطلب قد ارتكز على الرأي المخالف في حكم المحكمة العليا – ومجرد صدور حكم بالأغلبية لا ينهض أيضاً كسبب للمراجعة وواضح أن الأمر برمته يتعلق بتفسير نص المادة 46(5) من قانون قوات الشعب المسلحة.
ونرى أن ما ذهب إليه مقدم طلب المراجعة أن الإعفاء المقصود من نص المادة 46(5) هو الإعفاء من ضريبة عوائد عقار سكني واحد ورسوم التقاضي الخاصة بدعاوى ضريبة العوائد نرى أن هذا التفسير لم يحالف التوفيق فيه مقدم الطلب إذ يخالف هذا التفسير تعريف القانون للضريبة ، والعوائد كمصطلح ضريبة غير مصطلح عوائد ولا يجتمعان معاً حيث لا توصف العوائد بضريبة عوائد ونحيله إلى قوانين الضرائب (قانون ضريبة الدخل لسنة 1996م ، قانون رسوم الدمغة ، قانـون ضريبة الأرباح الرأسمالية ، قانون ضريبة المبيعات الخ… قانون العوائد ) والعوائد وفقاً لقانونها فهي عوائد وليست ضريبة وفقاً لتعريف القانون للضريبة.
ومن ناحية أخرى تفسير الأستاذ المحترم " للتقاضي " جاء قاصراً على إجراءات التقاضي بشأن العوائد ، نراه يخالف قواعد التفسير فما دام الضابط بقوات الشعب المسلحة قد أعفى من العوائد بالتالي لا يطالب بسدادها ولا يقاضي لسدادها فيصبح غير ذا معنى إعفائه من سداد رسوم التقاضي على نحو ما ذهب إليه مقدم الطلب.
لقد جاء نص المادة 46(5) مطلقاً لم يقصر الإعفاء عن الرسوم التقاضي أمام جهة معينة بل أطلق الإعفاء وبداهة أن رسوم التقاضي يقصد بها رسوم المقاضاة أمام المحاكم.
ونرى أن إطلاق القول بأن أمر الإعفاء من الرسوم تختص به المحاكم المدنية دون غيرها ولا إلزام عليها من أية جهة ذلك وأنه يجب أن يكون وفقاً لقانون الإجراءات المدنية نراه في غير محله.
فالإعفاء من سداد الرسوم في الحالات التي حددها قانون الإجراءات المدنية لا يمتنع قانوناً الإعفاء من الرسوم من غيرها إذ نص على ذلك قانون أخر أو ورد نص تشريعي في أي قانون أخر يعفي منها فقانون العمل لسنة 1997م قد أعفى على إطلاق العامل من رسوم التقاضي أمام المحاكم بمختلف درجاتها وذلك على سبيل المثال ومن ناحية أخرى وفقاً لنص المادة 6(4) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة يعتبر أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأية مسألة في أي قانون استثناء من أي قانون عام أو نصوص عامة في أي قانون يحكم تلك المسألة ، و لا ينازع مقدم الطلب في أن قانون قوات الشعب المسلحة قانون خاص وقانون الإجراءات قانون عام.
وفي ذات الوقت يجب أن يفسر النص التشريعي بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواء وذلك وفقاً للمادة (6) من ذات القانون.
وبداهة لا تعقب المحاكم على الغرض من تشريع نص وإن شاء المشرع منح ميزة إلى فئة أو امتياز أو الامتناع عن تطبيقه بحجة أنه يخالف مبدأ المساواة بين المتقاضين ، وغني عن القول أن كثيراً من القوانين الخاصة تضمنت إعفاءات من الرسوم مقيدة الأحكام العامة التي وردت بشأن الرسوم في المسألة المعنية التي شملها الإعفاء وقانون الإجراءات المدنية كقانون عام شأنه شأن تلك القوانين ذلك لان الإعفاء ورد بأمر تشريعي مع ملاحظة أن قانون قوات الشعب المسلحة في نص آخر أعفى من سداد الرسوم المقررة في قانون الأسلحة والذخيرة.
خلاصة ما تقدم لا نرى سبباً لقبول طلب المراجعة ونقرر رفضه موضوعاً ولا أمر بشأن الرسوم.

القاضي:تاج السر محمد حامد
التاريخ: 22/12/2002م

أوافق.

القاضي: ميرغني حامد إسماعيل
التاريخ: 24/12/2002م

أوافق.

القاضي: الطيب الفكي موسـى
التاريخ: 26/12/2002م

أوافق.


القاضي: إبراهيم حسن محمد أحمد
التاريخ: 27/1/2003م

بعد المداولة أوافق على مبدأ الإعفاء ما دام قرر بنص قانون ولكن كما ذكرت في الرأي المخالف في الحكم المطلوب مراجعته أن الإعفاء من الرسوم " رسوم التقاضي " ليس على إطلاقه بل مقيد ما دام القانون نفسه الذي نص على الإعفاء قيد الإعفاء بعقار واحد فإن الإعفاء من رسوم التقاضي " مقيد حسب مقتضى صياغة النص والقصد من التقييد الوارد به فلو أراد المشرع الإطلاق في الإعفاء من رسوم التقاضي دون تقييد لما قيد الإعفاء بعقار واحد والإعفاءات كثيرة كما عددها الأخ صاحب الرأي الأول والأغلبية لكن الإعفاء من رسوم التقاضي وإن ورد بالقانون أرى أنه من اختصاص لجنة القواعد ذات الاختصاص الواسع والصلاحيات الوافرة والمكونة من سعادة رئيس القضاء ورئيس المحكمة العليا والسيد وزير العدل واثنين من قضاة المحكمة العليا حسب المادة (304) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م والتي لم تستشَرْ ولا عرض عليها هذا الإعفاء وأرى أن التنسيق يقتضي إخطارها بهذا لتحطاط لامثاله ولا اعتراض أن ينص القانون على الإعفاء لكن الإعفاء من رسوم التقاضي " نرى أن تشرك فيه لجنة القواعد ".

الأمر النهائي:
يرفض طلب المراجعة.

تاج السر محمد حامـد
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائـرة
22/12/2003م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:38 AM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : خيانة الأمانة من موظف عام
المبادئ:

• القانون الجنائي لسنة 1991م - خيانة الأمانة من موظف عام - من عناصرهـا الإهمال الفاحش - المادة 177(2) من القانون.
• القانون الجنائي لسنة 1991م - خيانة الأمانة - الإهمال الفاحش يتحقق بعدم الالتزام بالأسس واللوائح في إدارة المال - المادة 177(2) من القانون.
• القانون الجنائي لسنة 1991م - خيانة الأمانة - المساءلة الجنائية مناطها - علاقة السببية بين الإهمال وتسبيب الخسارة - المادة 177(2) من القانون. *القانون الجنائي لسنة 1991م - خيانة الأمانة - الإهمال - يشمل الامتناع السلبي - المادة 177(2) من القانون.
1- إن مناط المساءلة الجنائية في جريمة خيانة الأمانة أن يؤدي الإهمال وسوء التصرف في المال إلى ضياعه وتبديده - أي أن تتوافر علاقة السببية بين الإهمال والخسارة ، والمساءلة ليست على مطلق الإهمال بل يجب أن يؤدي ذلك الإهمال إلى ضياع المال العام.
2- يتحقق الإهمال الفاحش بعدم الالتزام بالأسس واللوائح في إدارة المال موضوع الاتهام ويكون موجباً للمساءلة الجنائية بتوافر علاقة السببية.
3- الإهمال وعدم الانتباه يشمل الحالات التي يقف فيها الجاني موقفاً سلبياً فلا يتخذ احتياطات يدعو إليها الحذر وكان من شأنها أن تحول دون حدوث النتيجة الإجرامية.
*ملحوظة المحرر:
تأيد هذا الحكم بقرار المحكمة العليا دائرة المراجعة بالرقم 47/2005م
الحكم:

المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ جار النبي قسـم السيد قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / محمـد علـي خليفة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / الرشيد التـوم محمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
المحامون:
الأستاذ/ علي وداعة الله عباس
الحكــم

القاضي: محمد علي خليفة
التاريخ: 5/10/2004م

هذا طعن بالنقض مقدم من الأستاذ/ علي وداعة الله عباس المستشار القانوني للشركة الشاكية شركة الثورة الخضراء للتجارة والخدمات المحدودة ضد حكم محكمة الاستئناف الخرطوم بالرقم م إ/أ س ج/795/2004م الذي ألغى حكم محكمة الجنايات العامة الخرطوم شمال القاضي بإدانة المتهم ص. ط. م. ر تحت المادة 177(2) خيانة الأمانة من موظف ، ويدور محور طلب الأستاذ/ في الآتي باختصار غير مخل.
1- جاء قرار محكمة الاستئناف مجملاً غير مفصل.
2- لم يوضح القرار معيار الإهمال الفاحش
3- فيما يتعلق بالكمبيوترات أقر المتهم باستلام 75 جهاز كمبيوتر و 30 طابعة في حين أنه استلم 27 جهاز مما كبد الشركة خسارة سددت قيمة 75 جهاز.
4- البينة تثبت عدم تنظيم المتهم في عمله في مسك الدفاتر الحسابية والالتزام بالدورة المستنديه هو المسئول بصفته المدير العام ولا يمكن قبول التصرف بالعشوائية فهو ليس بشخص عادي بل مؤهل علمياً ويحمل شهادة جامعية وتخصص في الاقتصاد من جامعة الخرطوم.
5- عدم وجود دراسة جدوى لصادر الفول تُعد مخالفة.
6- برأت المحكمة المتهم من بعض التهم لعدم وجود بينة وليس للعشوائية الضاربة أعمال الشركة.
7- لقد تصرف المتهم في أموال الشركة بإهمال فاحش ويوجد سوء نية في أفعاله.
8- المبلغ المفقود هو مسئولية المتهم.
9- صرف مبالغ غير مستحقة للمتهم لا يتصور أنها تصرف عشوائي لا يسأل عنها المتهم.
10- لم يتسلم المتهم عينة من الملابس لمعرفة حالتها قبل الشراء ويلتمس من محصلة طلبه إلغاء حكم محكمة الاستئناف والإبقاء على قرار محكمة الجنايات العامة.

استلم المستشار القانوني للشركة الطاعن حكم محكمة الاستئناف في 16/8/2004م وتقدم بهذا الطعن في 21/8/2004م وبالتالي جاء الطعن وفق القيد الوارد في نص المادة (184) إجراءات جنائية لسنة 1991م تعديل 2000م ومن ذي مصلحة في معنى المادة (183) إجراءات جنائية فهو إذن مقبول شكلاً ، موضوعاً نرى الفصل في الطعن على النحو الآتي:
أولاً: النص الواجب التطبيق هو نص المادة (177) خيانة الأمانة مـن موظف عام وعناصر الجريمة وفقاً لنص المادة 177(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م هي:
1- أن يكون الجاني موظفاً عاماً أو مستخدماً لدى أي شخص.
2- أن يؤتمن على مال بتلك الصفة.
1- أن يـأتي الجاني كل أو أحد الأفعال الآتية:
(أ ) جحد ذلك المال.
(ب) امتلاكه.
(ج) تحويله إلى منفعته أو منفعة غيره.
(د) تبديده.
(هـ) التصرف فيه بإهمال فاحش.

4- أن يخالف ذلك مقتضى الأمانة وبسوء قصد أي بقصد تحقيق كسبٍ غير مشروع أو خسارة للغير.
وتشمل هذه المادة الحماية للمال العام أي المملوك للدولة أو وحداتها الإقليمية أو المحلية وكذلك المؤسسات والمنشآت أو الشركات ذات الاقتصاد المختلط التي تسهم الدولة أو إحدى وحداتها الإقليمية أو المحلية في مالها بنصيب ما ، والفعل المادي هو التصرف في هذا المال بقصد جلب ربح للنفس أو للغير أو بقصد تسبيب خسارة للغير أو دون احتياط في استثماره أو الإدارة فيؤدي ذلك إلى ضياع المال العام كله أو بعضه أو تبديده . والفعل كما يحصل بالذات قد يحصل بالوساطة بالسماح للغير بفعل ذلك.
هذا ويلاحظ في الفقرة 177(2) مقروءة مع الأفعال في الفقرة الأولى المشار إليها من (أ ) إلى (هـ) أن المشرع يسوي بين الصورة العمدية للجريمة والصورة المقرونة بعدم الاحتياط والحذر اللازمين والهدف من ذلك إضفاء الحماية على الاقتصاد القومي والمال العام وتجريم أفعال الذين يديرون ذلك المال أو يشرفون على استثماره وذلك في الوقت الذي تزداد فيه هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي ويتعاظـم دور القطاع العام بدخول الدولة في مجال التجارة والتصنيع والصادر والوارد وهذا النشاط هو الذي قصـد المشرع حمايته بالمادة 177(2).
ثانياً: على ضوء هذه المبادئ نُقصر أنفسنا على التهم التي أدانته فيها محكمة الجنايات العامة فقط لأن ما تم تبرئة المتهم منها لم تُثار أمامنا الآن . عليه نطرح الأسئلة الفرعية الآتية:
(أ ) هل المتهم موظف عام أو مستخدم لدى شركة قطاع عام ؟ أكد المستشار القانوني للشركة في ص 151 من محضر المحاكمة أن الشركة قطاع عام وهي شركة محدودة ، وشاهد الدفاع الأول حافظ حامد ذكر في ص 208 " شركة الثورة الخضراء مؤسسة بموجب قانون الشركات وهي شركة مملوكة للدولة 100%.
بحثت لأجد تسجيل من المسجل العام التجاري لم أجد وتكفي البينة لإثبات أن الشركة من شركات القطاع العام مملوكة للدولة وبالتالي وفقاً لتعريف سلطة عامة في المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعني أي سلطة مختصة في الدولة وتشمل الهيئات والمؤسسات العامة وشركات القطاع العام ، وحيث تملك الدولة كل أسهم الشركة فهي إذن من شركات القطاع العام ونختلف مع محكمة الجنايات العامة في كون أن المتهم ليس بموظف عام لأن تعريف موظف في المادة (3) يعني كل شخص تعينه سلطة عامة سواء بمقابل أم دون ذلك وحيث أن المتهم يعمل في سلطة عامة " شركة قطاع عام " وعينته هذه السلطة فهو موظف عام.
ويلاحظ أن المادة لم تقتصر على أن يكون الجاني موظفاً عاماً بل يمكن أن يكون شخصاً طبيعياً مستخدماً لدى شخص اعتباري ويكون قائماً بخدمة عامة وبالتالي نقرر أن المتهم موظفاً عاماً مستخدماً لدى شركة قطاع عام.
(ب) هل كان المتهم مؤتمناً على هذا المال ومشرفاً على إدارته ؟ الثابت من البينة أن المتهـم هـو المدير للشركة هو مشرف على إدارتها ولا تتم أي عملية تجارية أو التصديق بصرف مبلغ إلا بإذن منه وبالتالي فهو مؤتمن على إدارة وأموال هذه الشركة ويلاحظ رغم أن المادة 177(2) لم تشترط أن يكون هذا المال عاماً كما في نص المادة 351 عقوبات الملغي ولكن ينبغي التفرقة بين الفقرتين بالمادة 177(2) يجب أن يكون المال موضوع البلاغ فيها عاماً ولم يعرف المشرع في المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م المال العام ولكن بالرجوع إلى نص المادة 27(1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م عرف الأموال العامة بأنها " تعتبر أموالاً عامة جميع العقارات والمنقولات التي للدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون " وبالتالي طالما قررنا أن الشركة سلطة عامة وشخص اعتباري فإن أموالها عامة.
1- السؤال الهام الذي يطرح هل تصرف المتهم في إدارته وإشرافه على هذا المال العام بإهمال فاحش أو بغير ما تقتضيه الحيطة والحذر اللازمين لاستثماره لكي يحقق أهداف الشركة في الربح واتسم فعله بسوء قصد مما سبب خسارة وتبديد للمال ؟ أم تصرف المتهم بحسن نية ؟
للإجابة على هذا التساؤل ينبغي اللجوء إلى تعريف الإهمال ونشير هنا إلى ما جاء في كتاب قانون العقوبات للدكتور محمد محي الدين عوض ص 523 جاء فيه " والشخص الذي يأتي النشاط المنطوي على إهمال إنما يأتيه في ظروف تدل على أنه لم يتخذ الحيطة الواجبة عليه لأنه لو كان اتخذها لكان عنده تبصر بعواقب فعله " كذلك جاء في كتاب القانون الجنائي السوداني النظرية العامة للمسئولية الجنائية للدكتور عبد الله النعيم الطبعة الأولى لسنة 1986م ص 50 ما يلي " يقال عن الشخص أنه تصرف بإهمال إذا تصرف من غير أن يدرك الخطر أو احتمال حدوث النتيجة الضارة الممنوعة قانوناً في الوقت الذي كان الرجل المعقول سيدرك ذلك الخطر أو الاحتمال لو كان في الموقف نفسه ، فالشخص المهمل هو الذي يعجز بصورة غير معقولة في ضبط سلوكه بالصورة التي لا تؤذي الآخرين.
أما صور عدم الاحتياط فالفاعل يعرف طبيعة عمله ويعلم أنه يمكن أن تترتب عليه نتائج ضارة ولكنه لم يتوقع النتيجة التي نشأت عنه لأنه لم يستعمل مواهبه وسبب الجريمة هنا عدم التبصر في العواقب وهو خطأً يسأل عنه الفاعل جنائياً لأنه كان لديه علم بالضرر المعين الذي حدث بل باحتمال حدوث نتائج سيئة.
أما الإهمال وعدم الانتباه فيشمل هذه الصور والحالات التي يقف فيها الجاني موقفاً سلبياً فلا يتخذ احتياطات يدعو إليها الحذر وكان من شأنها أن تحول دون حدوث النتيجة الإجرامية.
فبالنسبة لاستيراد المكرونة " كما ذكر الشاهد المراجع علم الدين كباشي في ص 141 من محضر المحاكمة " أن المتهم قام باستيراد مكرونة من شركة ركو وهي شركة أردنية ومقرها هنالك بتكلفة 267.457.343.50 جنيهاً والمفروض بحسب الدينار هو الذي أصبح مبرئًا للذمة " - ولم يقم المتهم بإعداد البيانات الآتية : الإيرادات المتوقعة من بيع المكرونة ، والتكلفة الكلية للمكرونة ، والأرباح المتوقعة بل لم توفر المبلغ اللازم للتخليص علماً أنها بضاعة قابلة للتلف ومدة صلاحيتها محدودة بزمن مما أدى إلى عدم إمكانية بيعها إلا كعلف حيواني ولم يسوق سوى 2.212 كرتونة من جملة 3.514 مما سبب ذلك خسارة تقدر ب 15.850.933 ألف دينار فهنا المتهم كاقتصادي وخبير يعرف طبيعة عمله في استيراد مثل هذه الأطعمة ورغم ذلك لم يستخدم مواهبه نتيجة تقصير وإهمال منه وقد أكد الشاهد يوسف في ص 163 " عند بداية التسويق وجدت المكرونة منتهية المدة وبعضها على وشك وجاء بلاغ بذلك من الأمن وعرضت على إدارة ضبط الجودة وجاء تقرير بأنها لا تصلح لاستعمال الإنسان ولكنها تصلح كعلف حيواني " فلم يتبع الجاني الخطوات من دراسة جدوى وتقدير التكلفة وأن الشركة تهدف الربح ما هو الربح المتوقع تحققه والتخليص المبكر لهذه البضاعة حتى لا تنتهي صلاحيتها بعدم القيام بكل ذلك يُعد ذلك إهمالاً فاحشاً.
أما بخصوص الكمبيوترات فقد أكد المراجع ص 109 أن خطاب المتهم لشركة ايفوري يقر فيه باستلام 75 جهاز كمبيوتر و35 طابعة في حين أن المستلم فعلاً هو 27 جهازاً والمفقود 48 جهازاً و 31 طابعة مما حمل شركة ايفوري أن تطالب بقيمة كل الأجهزة وهي 79.400 دولار وصدر فيها قرار من المحكمة الجزئية . والمتهم مسئول باعتباره مشرفاً على إدارة الشركة عن ضياع بقية الأجهزة . شاهد دفاع المتهم الأول حافظ حامد محمد مساعد المراجع العام ذكر في ص 212 من محضر المحاكمة : " إذا كان هنالك عقد تسويق بين الشركة ممثلة في مديرها وشخص آخر لتسويق بضاعة والبضاعة تخص شخص آخر ولم تسلم كل البضاعة للشركة ورغم ذلك أقر مدير الشركة أنه استلم كل البضاعة مما رتب التزام مالي على الشركة تُعتبر مخالفة من مدير الشركة.
بخصوص البن يكمن الإهمال كما فصلت المحكمة الجنائية بدقة في تجميد الشركة فرق السعر في بيع البن بواقع أربعين ألف جنيهاً لكل قنطار وباعه بسعر سبب خسارة وهو 2000 ألف في حين فـرع تشاد رأى أن يتم البيع بمبلغ 240 ألف جنيه ، وكما ذكر الشاهد همت سليم ص 70 أن المتهم حسب النظام المحاسبي الذي يوضح عملية الإجراءات في الشراء والبيع عليه تكوين لجنة في حالة الشراء من جهات متخصصة وفقاً لطلبات مقدمة لصنف معين من البضاعة وكذلك في حالة البيع وتقوم اللجنة بتقديم تقرير متكامل عن الأسعار والمواصفات والطلب وترفع تقريرها للتصديق من الإدارة . فلم يلتزم المتهم بتكوين لجنة حسب الأسس المتبعة بل بعد أن أوضح للفرع الذي تم البيع لصالحه هو فرع تشاد أن البيع تم بمبلغ 240 ألف جنيهاً للقنطار.
كذلك قبل أن يستقيل المتهم من منصبه ثم يتعاقد بعقد خاص عدل مرتبه وصرف مبالغ بغير وجه حق وبموافقة مجلس الإدارة.
هذا ولا يتصور أن نعتبر أن المتهم الملم بأسس مسك الدفاتر والحسابات وعلى فرض أن سياسات وتوجيهات بنك السودان ولوائحه ومناشيره غير ملزمة للشركة باعتبارها شركة وليس بنك فإن لائحة الإجراءات المالية والمحاسبية لسنة 1995م ملزمة لهذه الشركة وبالتالي لا يمكن أن نعتبر أن فعله كان بحسن نية فيقال عن الشخص أنه فعل الشيء أو اعتقده بحسن نية إذا حصل الفعل أو الاعتقاد مع سلامة المقصد وبذل العناية الحيطة اللازمتين فهذا النص ربط حسن النية والإهمال وجوداً وعدماً بحيث أن الفعل لا يكون بحسن نية إذا فقد الحيطة والحذر اللازمين لأدائه ولا يجدي مطلقاً الدفع بأن الفعل قد أنجز بحسن نية في الوقت الذي لم يراع في إنجازه العناية والانتباه والحيطة والحذر حتى ولو تم مع عدم سوء القصد . فليس للمتهم أن يزعم أنه تصرف بحسن نية بمجرد أنه لم ينبعث عن قصد أو علم إجرامي أو لأن أغراضه بريئة وإنما يجب أن يتسم سلوكه نفسه بالعناية والانتباه . ففي كل العمليات وبعد استقراء البينة نجد أن المتهم لم يلتزم باللائحة المالية 1995م ولم يستعن بدراسات جدوى للتأكد من إمكانية الربح وتفادي الخسارة ولم يلتزم بالأسس ولوائح الشركة وعدم التزامه بذلك يُعد إهمالاً فاحشاً في حد ذاته.
عليه وبكل اطمئنان نقرر أن المتهم اتسم فعله بإهمال فاحش في إدارته وإشرافه على هذا المال.
ثالثاً: من أهم شروط انطباق نص المادة 177(2) هو أن يؤدى هذا الإهمال وسوء التصرف في المال إلى ضياعه وتبديده أي يجب أن تتوافر علاقة السببية بين الإهمال والخسارة والمساءلة ليس على مطلق الإهمال وإنما مقصورة على الحالات التي يؤدي فيها الإهمال إلى الضياع للمال العام فالثابت وإذا افترضنا أن المتهم لم يحقق كسباً خاصاً سواء في صرف مرتب غير مستحق وبه تصديق من مجلس الإدارة فإنه تسبب في خسارة الشركة بما يعادل مبلغ 32.254.150 ديناراً وبالتالي نرى صحة الحكم الصادر من محكمة الجنايات العامة ومع احترامنا الأكيد لجهد محكمة الاستئناف كون أن مجلس الإدارة أو النظام المتبع في الشركة غير محكم مما ساعد المتهم في الإهمال لا يعفيه من المسئولية لماذا لا يكون هو القدوة للآخرين.
عليه مما تقدم لو وافق الزميلان نرى أن يكون حكمنا كالآتي:
1- نقض حكم محكمة الاستئناف الخرطوم بالرقم 795/2004م
2- الإبقاء على حكم المحكمة الجنائية العامة بالخرطوم شمال وتوضع الأوراق أمامها لتنفيذ الحكم.
3- يخطر الأطراف.

القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 11/10/2004م

لم يكن الإهمال الفاحش مضمناً في المادة (347) من قانون العقوبات لسنة 1983م الملغي وما قبله من قوانين العقوبات بيد أن المشرع في ظل القانون الجنائي لسنة 1991م اعتبر الإهمال الفاحش عنصراً من عناصر خيانة الأمانة منعاً للاستهتار وعدم المبالاة في التعامل في المال الذي يكون تحت يد الجاني ومسلطاً عليه بعد أن تفشت هذه الظاهرة في المجتمع.
بعد الإطلاع على محضر هذه الدعوى وإجراءاتها أجد أن الإهمال الفاحش وارد في حق المدان في إدارته وتصرفه في أموال الشركة التي اختير مديراً لها ويكفي تدليلاً على ذلك فيما يأتي:
1- استيراده لكميات من المكرونة دون دراسة جدوى لهذه العملية وذلك من ناحية السعر المناسب والتأكد من تاريخ تصنيعها ومدة صلاحيتها للاستعمال وهذا الإهمال الفاحش ثابت من البينة المطروحة ومن إقرار المتهم نفسه وإلى أنه لجأ للشركة المصدرة لتخفيض القيمة مما كلف الشركة المعنية والتي يقوم بإدارتها مبلغ 16.150.933 ديناراً سودانياً وقد أصبحت هذه الكميات من المكرونة المستوردة غير صالحة لاستعمال أو أكل الإنسان وصارت علفاً للحيوان وحتى في هذا الجانب ماتت في يد الشراكة ولم يتم تصريفها.
2- قام المتهم بتكبيد الشركة التي يديرها خسارة كبيرة في إقراره للشركة التي تعامل معها بأنه استلم 75 " خمسة وسبعين جهاز كمبيوتر و35 طابعة في حين أنه استلم في واقع الأمر 27 جهاز كمبيوتر فقط بفاقد قدره 48 جهازاً مما جعل الشركة التي تعامل معها تطالبه بقيمة هذه الكمبيوترات باعتبارها 75 جهازاً وأخذت بذلك حكماً قضائياً ضد الشركة وثابت هذا الإهمال الفاحش من المستندات المقدمة وإقرار المتهم نفسه وإن حاول إيجاد المبررات لهذه العملية وأرى أن هذه الواقعة وحدها تكفي لإدانته بالإهمال الفاحش الذي ما نص عليه المشرع إلا لمواجهة مثل هذه الحالة هذا وقد تكبدت الشركة المعنية خسارة بلغت 14.545.200 ديناراً سودانياً.
3- قام المتهم بشراء صفقة فاسدة من البن دون التثبت من جودتها وخلوها من الشوائب بتكوين لجنة لدراسة الجدوى بالنسبة لطلبات معينة من البضائع حسبما جرى عليه النظام المحاسبي في عملية الشراء والبيع وقد أوضح هذه الحقيقة الشاهد همت سليم بصفحة 70 من المحضر وأدى هذا التصرف لخفض سعر القنطار بوساطة المتهم إلى 200 ألف بدلاً من 240 ألف للقنطار مما أدى لتحميل الشركة 40.000 جنيها لكل قنطار بجملة بلغت 807.157.000 ديناراً وهذا ضرب من ضروب الإهمال الفاحش كما ثابت من خلال هذه المخالفة أن المتهم لا يستعين بلجان متخصصة حسبما جرى عليه العمل وأوضحه الشاهد همت سليم فيما ذكرناه أنفاً.

ثبت من البينة المقدمة في الدعوى أن المتهم قام بزيادة راتبه ومخصصاته بدون موافقة مجلس إدارة الشركة الذي طالبه باستقالته من البنك الزراعي ليتم تعيينه في إدارة الشركة حتى يتسنى النظر في موضوع المخصصات وقد ثبت أن المتهم قام بصرف مبالغ لنفسه دون وجه حق ودون أي تصديق من مجلس إدارة الشركة أو أي جهة مختصة . ثبت مما تقدم أن المتهم أهمل إهمالاً فاحشاً في إدارته وتصرفاته مما نتج عنه حسب ما حكمت به المحكمة خسارة بلغت جملتها 32.254.150 ديناراً ولا يمكن أن نجد مبرراً لهذا الإهمال بما جاء في قضاء محكمة الاستئناف من أن النظام في هذه الشركة يسير بطريقة عشوائية وهذه المقولة إذا أخذنا بها فهي لغير صالح المتهم وتؤخذ ضده وتقف دليلاً على إهماله وقصوره لأنه المدير والمسئول الأول ولا يمكن بحال من الأحوال أن تصبح سبباً لتبرئة ساحته.
مما تقدم أخلص إلى موافقة زميلي المحترم صاحب الرأي الأول فيما توصل إليه ومن عند الله التوفيق والرشاد.

القاضي: جار النبي قسم السيد
التاريخ: 12/10/2004م
أوافق زميليّ المحترمين رأيهما حـول ثبوت موجبات قرار الإدانة وفقاً لعناصر التهمة وما ورد من بينات وما يترتب علـى ذلك من نقض لقضاء محكمة الاستئناف والإبقاء على حكم محكمة الجنايات العامة الخرطوم.

الأمر النهائي:

1- نقرر نقض حكم محكمة استئناف الخرطوم بالرقم 795/2004م.
2- نُبقي على حكم محكمة الجنايات العامة الخرطوم شمال ونأمر بوضع الأوراق أمامها لتنفيذ الحكم.
3- يخطر الأطراف.

جار النبي قسم السيد
قاضي المحكمة العليا
رئيس الدائرة
12/10/2004م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:40 AM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : اليمين الحاسمة لا توجه في الدعاوى الجنائية
المبادئ:
• قانون الإثبات لسنة 1993م – اليمين الحاسمة – عدم جواز توجيهها في الدعاوى الجنائية – المادة 55(3) من القانون.
1- اليمين الحاسمة لا تتأتى في الجنايات وإنما في الأموال إذ أنها ليست دليلاً يقدمه المدعى على صحة دعواه بل هي طريق احتياطي في الأموال تقع على الخصم الذي يقع عليه عبء الإثبات والذي يعوزه الدليل.

2- الأصل براءة الذمة من الحقوق والجسد من التعازير والحدود والقصاص فمتى انعدم دليل الاتهام فلا يجوز تحليف المتهم لإقراره بالجريمة . ذلك أن رفض حلف اليمين دون ردها يؤدي مباشرة لإدانة الرافض لأن الرفض مساوٍ للاعتراف الضمني والاعتراف الضمني في الجنايات يورد الشك والظن والقاعدة هي أن يفسر الشك لصالح المتهم.

الحكم:
المحكمة العليا

القضاة:
سعادة السيد / أحمـد عطيـة ســـالم قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / يعقوب حمـد عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيدة/ د. بدرية عبد المنعم حسونة قاضي المحكمة العليا عضواً

محاكمة: أحمد علي المادح وآخرين
م ع/ ط ج/498 /2000م
الحكــم

القاضي: د. بدرية عبد المنعم حسونه


هذا طلب فحص تقدم به الأستاذ/ عيسى إبراهيم التوم المحامي يطلب فحص قرار محكمة الاستئناف الصادر بتأييد حكم المحكمة العامة وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتحليف المتهمين اليمين الحاسمة.

يقول مقدم الطلب أن الشاكي قصد التشفي من المتهمين وأن محكمة الموضوع قد شطبت البلاغ ويرى أن قراراها صحيح.

كما أن الشاكي يقدر زراعته ب 40 جوال من الذرة في حين أن لجنة التقدير قدرت ما أتلفته بهائم المتهمين حسب اتهامه وقدرت الذرة بحوالي كيله ونصف كيلة وأن قرار محكمة الاستئناف لم يوضح على أي تقدير يحلف المتهمون مما جعل قرارها مبهماً.

لذلك طالب أن يكون اليمين محدد ولا يترك الأمر لخيار الشاكي وطالب بإلغاء حكم محكمة الاستئناف. بمراجعة محضر الدعوى واستناداً لنص المادة 188 من قانون الإجراءات الجنائية نقوم بفحص التدبير القضائي ونرى عدم سلامة الحكم للأسباب الآتية:-
أولاً: إذا وجهت اليمين الحاسمة ، فلا يتحتم على القاضي قبول توجيهها إلا إذا تحقق من توافر الشروط التي يتطلب القانون توافرها في الواقعة موضوع اليمين ، نصت المادة 55/3 من قانون الإثبات :
(( لا يجـوز توجيه اليمين الحاسمة في واقعة تشمل إقراراً بجريمة )).

فاليمين الحاسمة لا تتأتى في الجنايات إنما في الأموال إذ أن اليمين الحاسمة ليس دليلاً يقدمه المدعى على صحة دعواه بل هـي طريق احتياطي في الأموال تقع علـى الخصم الذي يقع عليه عبء الإثبات والذي يعوزه الدليل.

ثانياً: القاعدة في الشريعة الإسلامية أن رفض حلف اليمين يؤدي مباشرة إلى إدانة الرافض لأن الرفض مساوٍ للاعتراف الضمني ، وقد نصت المادة 57 إثبات :-
(( إذا لم ينازع من وجهت إليه اليمين الحاسمة لا في جوازها ولا في تعلقها بالدعوى أو نازع ورفضت المحكمة منازعته فيجب أن يحلفها أو يردها على خصمه وإلا أعتبر ناكلاً )).

والاعتراف الضمني في الجنايات مشكوك فيه ومظنون والقاعدة أن الشك يفسر لصالح المتهم " فالأصل براءة الذمة من الحقوق وبراءة الجسد من التعازير والحدود والقصاص فمتى انعدم دليل الاتهام فلا يجوز تحليف المتهم لإقراره بالجريمة ".

راجع في ذلك حكم المحكمة العليا م ع/ف ج/11/2000 محاكمة بشير محمد علي الذي جاء فيه لا يجوز توجيه اليمين الحاسمة في الحدود والقصاص والجنايات.
بناء على ذلك نرى عدم سلامة الحكم مما يتعين علينا قبول الفحص وإلغاء حكم محكمة الاستئناف ومحكمة الموضوع.

والأمر بشطب الدعوى الجنائية وفقاً لنص المادة 185 من قانون الإجراءات الجنائية.
القاضي: يعقوب حمد عبد الرحمن
التاريخ : 5/10/2000

يجوز للمحكمة في المحاكمة الجنائية أن تستعمل سلطاتها بموجب المادة 204 إجراءات ومن ثم تقبل توجيه اليمين الحاسمـة لأغراض تعـويض الشاكي مدنياً إما لإثبات الإدانة في جريمة فهذا لا يجوز بنص القانـون في المادة 55/3.

علاوة على أن الشاكي في المحاكمة لم يطلب توجيه اليمين للمتهمين أصلاً فقد اختصر أقواله في أنه ليس لديه شهود ولم يشاهد بهائم المتهـمين تتلف زرعه فطالما الأمر كذلك فلا حق للمحكمة الأعلى أن تناقش أو تفصل في أمر لم يسبق أن أثير في القضية الابتدائية.وأبدت المحكمة رأيها فيه ، وعليه اتفق مع الدكتورة في النتيجة التي توصلت إليها.

القاضي: أحمد عطية سالم
التاريخ : 10/10/2000م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:41 AM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : الإقرار في المعاملات متى يجوز الرجوع عنه
المبادئ:

• قانون الإثبات لسنة 1994م – الإقرار في المعاملات– الرجوع عنه – لا يصح إلا لخطأ في الوقائع – المادة 22(1) من القانون. قانون الإثبات لسنة 1994م – حجية الإعلام الشرعي – إدخال أو إخراج وارث – لا يؤثر على حجية الإعلام فيما اشتمل عليه.
- موافقة الورثة على تقسيم العقار حسب الفريضة الشرعية يعتبر إقراراً ببقاء العقار في اسم مورثهم وعدم تصرفه فيه فلا يحق لهم الإدعاء بشرائه منه مما يعتبر رجوعاً في الإقرار وهو غير جائز إلا لخطأ في الوقائع.
2- إدخال أو إخراج وارث في الإعلام الشرعي لا يلغيه ولا يؤثر على حجيته فيما اشتمل عليه خلاف ذلك.
الحكم:


القاضي : الطيب الفكي موسى
التاريـخ: 26/5/2001م

أصدرت محكمة بحري الجزئية حكمها في القضية المدنية رقم 90/2000 الذي قضى بشطب الدعوى برسومها . استؤنف هذا القرار أمام محكمة الاستئناف لمحافظتي بحري وشرق النيل فأصدرت قرارها رقم أ س م/ 240/2000م بتاريخ 31/12/2001م الذي قضى بإلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى ويلزم المستأنف ضده بالرسوم . وضد هذا القرار تقدم إلينا الأستاذ/ عادل الطيب خضر بعريضة طعن نيابة عن الطاعن بتاريخ 25/1/2001م وعلم الطاعن بالقرار المطعون فيه بتاريخ 11/1/2001م حسب الإفادة المرفقة وعليه يكون الطعن مقبولاً من حيث الشكل . وسبق لهذه الدائرة قبوله مبدئياً وقررت تحصيل باقي الرسم إن وجد وإعلان المطعون ضدهن للرد على عريضة الطعن ، وقد تم سداد باقي الرسم وتم إيداع الرد.
في الموضوع تتلخص الوقائع في أن المطعون ضدهن رفعن هذه الدعوى في مواجهة الطاعن ادعين فيها أنهن والطاعن ورثة المرحوم خضر السيد والطاعن تم إدخاله كوارث لاحقاً بموجب حكم محكمة الاستئناف لمحافظتي بحري وشرق النيل نمرة 20/ش/1997م . والقطعة رقم 10 مربع 2/ / غرب بحري الدرجة الثالثة البالغ مساحتها 330م.م مسجلة باسم مورث الطرفين حسب إفادة تسجيلات بحري . وبتاريخ 25/7/1983م تنازل مورث الطرفين عن القطعة المذكورة للمطعون ضدهن بموجب عقد مكتوب صادر من مكتب الأستاذ/ أحمد حمد النيل المحامي في مقابل مبلغ خمسة عشر ألف جنيه نصيب الطاعن المبدئي وبعد إدخاله كوارث في تلك القطعة 8/72م.م وتطالب المطعون ضدهن تقرير حقهن في القطعة المذكورة بأنصبة متساوية في نصيب الطاعن وتسجيل نصيبه في اسمهن بأنصبة متساوية . بعد تبادل المذكرات من الطرفين تقدم الطاعن بدفوع قانونية وهى أن العقار موضوع النزاع مسجل باسم المرحوم مورث الطرفين ولم يتصرف فيه بحياته ، وقد صدر الاعلام من المحكمة الشرعية بوساطة المطعون ضدهن والذي أسقط فيه اسم الطاعن مما اضطره لرفع دعوى بإدخاله في الورثة . وفي الإعلام السابق فإن المطعون ضدهن لم يثرن أي أسباب أخرى خلاف الإرث لاستحقاقهن للعقار موضوع النزاع ولذلك لا يحق لهن تقديم أي سبب جديد لاستحقاقهن العقار موضوع النزاع وفقاً لنص المادة 31 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م مقروءة مع المادة 26من الجدول الثالث الملحق بهذا القانون ، والمادة 121 من الجدول الثالث تنص على أن الطعن لا يقبل منهم ما دام الإعلام صدر في حضورهم ولصالحهم ويكون بذلك قد حاز حجية الأمر المقضي فيه . بعد رد المطعون ضدهم على تلك الدفوع وعلى ضوئها أصدرت محكمة الموضوع قراراً بشطب الدعوى برسومها.
استؤنف هذا القرار أمام محكمة الاستئناف لمحافظتي بحري وشرق النيل فأصدرت قرارها رقم أ س م /240/2000م بتاريخ 31/12/2000م والذي قضى بإلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى ويلزم المستأنف بالرسوم برأي الأغلبية وهنالك رأي مخالف يرى تأييد حكم محكمة الموضوع القاضي بشطب الدعوى.
جاء بأسباب الطعن ما يلي: الثابت أن إدراج العقار موضوع النزاع ضمن تركة المرحوم خضر السيد علي كان بناءً على طلب المطعون ضدهن ولم يبدين اعتراضاَ على تقسيم العقار وفقاً لقواعد الميراث الشرعية وقبلن بتنازل زوجة المرحوم وعصبته لهن وذلك قبل إدخال الطاعن كوارث . ولم يثرن أيلولة العقار لهن بالشراء إلا بعد ثبوت حق الطاعن في التركة . وقد نصت المادة 5 البند(4) من قانون الإثبات لسنة 1993م على الآتي ( من سعى لنقض ما تم على يديه فسعيه مردود عليه. ووفقاً للمادة 131 من الجدول الأول الملحق بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م فإن الإعلام الوراثي لا يقبل الطعن من قبل هؤلاء الورثة الذين صدر الإعلام بوساطتهم ولمصلحتهم ، وأن سكوت المطعون ضدهن عن إثارة موضوع الشراء في إجراءات محضر التركة بين أنه لم يكن هنالك وجود لمثل هذا الشراء والبيع وذلك تطبيقاً للقاعدة الفقهية القائلة " السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان ، ولما ذكره من أسباب يلتمس إلغاء قرار محكمة الاستئناف وتأييد قرار محكمة الموضوع القاضي بشطب الدعوى.
جاء الرد على عريضة الطعن على لسان صلاح الدين الرضي كما يلي:
لقد تم إلغاء الإعلام 622/1978 بالحكم الصادر عن محكمة الاستئناف رقم 20/1997م بدخول الطاعن كوارث وإخراج العصبه تطبيقاً لنص المادة 121 الجدول الثالث الملحق بقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ولذلك أصبح هذا الاعلام بغير حجة لإلغائه وسارت المحكمة في التركة من جديد وأحالت المطعون ضدهم للمحكمة المدنية لإثبات ادعائهم فيما يتعلق بدعوى بيع العقار من مورثهم . وأمام المحكمة المدنية تقدم الطاعن بدفع قانوني في الدعوى وعلى ضوئه شطبت المحكمة الدعوى وألغى القرار بوساطة محكمة الاستئناف وأعادت الدعوى لمحكمة الموضوع للسير فيها . والعقار موضوع النزاع ظل مسجلاً باسم المورث حتى وفاته.
وقد توصلت المطعون ضدهن مع العصبه وزوجة المرحوم الذين يعلمون بالبيع من المورث – توصلن لصدور الاعلام 622/97 الملغي بتسجيل العقار بما يحفظ حقوقهن مع الورثة ، وذلك ما سوف نثبته أمام المحكمة المدنية عند سماع الدعوى ولا حجية للإعلام الملغي بعد ذلك . نعم أنه وفقاً للمادة المذكورة فإنه لا يقبل الطعن ممن صدر الإعلام بوساطتهم ، والحقيقة أن الإعلام الغي وللورثة أن يتمسكوا بكافة حقوقهم بعد أن سارت المحكمة في الإجراءات من جديد . فكيف يلغي الطاعن الإعلام ويتمسك بحجيته ولما ذكر من أسباب يلتمس شطب الطعن.
بعد سرد تلك الوقائع وبالإطلاع على وقائع النزاع اتضح أن المطعون ضدهن سبق أن قمن بقيد تركة مورثهم المرحوم خضر السيد علي أمام محكمة بحري الشرعية والتي أصدرت إعلامها رقم 622/1978م بتاريخ 27/7/1978م والذي قضى بثبوت وفاة المرحوم وانحصار إرثه في زوجته شرعاً حتى وفاته عائشة الفضل خير الله وفي بناته منها درية وسميرة وبلقيس وشادية وفي بنته من مطلقته حواء عبد الله وفي أشقائه منيرة وسعدية وحسين أولاد السيد علي حسن – البلغ دون سواهم وقررت تقسيم تركته عليهم لزوجته الثمن فرضاً ، لبناته الثلثان فرضاً بينهما بالسوية ولاشقائه الباقي تعصيباً للذكر ضعف الأنثى وقام بتقسيم تركته عليهم حسب الفريضة الشرعية ومن ضمنها القطعة موضوع النزاع وقد تنازلت زوجة المرحوم وأشقاؤه لبناته في هذه القطعة بالسوية بينهن وأجيز التنازل وقررت المحكمة تسجيله بأسمائهن وفقاً للجدول الملحق بهذا الإعلام ، بعد صدور هذا الإعلام رفع الطاعن الدعوى رقم 1475/ 1993م أمام محكمة بحري الشرعية بإدخاله في ميراث والده وإخراج العصبة. وقد أصدرت محكمة الاستئناف لمحافظتي بحري وشرق النيل حكمها رقم 20/س/1997م بإدخال الطاعن ضمن ورثة المرحوم خضر السيد علي وإعطائه نصيب الابن النسبي وإخراج اخوة المرحوم الأشقاء من الإعلام وتعديله حسب ما جاء بقرارها ، وبعد دخول الطاعن كوارث في هذه التركة ادعت المطعون ضدهن أمام المحكمة الشرعية أن مورثهن تنازل لهن عن القطعة موضوع النزاع وأحالت المحكمة الشرعية النزاع للمحكمة المدنية والتي أصدرت قرارها بشطب الدعوى على أساس أن المطعون ضدهن سبق أن أقررن أمام المحكمة الشرعية بأن العقار مسجل في اسم مورثهن وقمن بتقسيمه على الورثة حسب الفريضة الشرعية لم يدعين الشراء من مورثهن وعليه لا يحق لهن الرجوع عن هذا الإقرار لاحقاً . ألغت محكمة الاستئناف قرار محكمة الموضوع وأتاحت للمطعون ضدهن الفرصة لإثبات البيع المدعى به.
وعليه نتفق مع محامي الطاعن في أن الطاعنات قمن بحصر تركة مورثهن ولم يبدين اعتراضاً على تقسيم العقار موضوع النزاع حسب الفريضة الشرعية ولم يثرن موضوع هذا التنازل أمام المحكمة الشرعية فلا يحق لهن الرجوع عن ذلك بعد دخول الطاعن في التركة في محاولة منهن لابعاده من أيلولة نصيبه إليه في العقار بالميراث وموافقتهن على تقسيم العقار حسب الفريضة الشرعية يعتبر إقراراً منهن ببقاء العقار باسم مورثهن ولم يتصرف فيه بالبيع حتى وفاته فلا يحق لهن الرجوع عن هذا الإقرار لأنه لا يصح في المعاملات الرجوع عن الإقرار إلا لخطأ في الوقائع على أن يثبت المقر ذلك . كما تنص على ذلك المادة 22(1) من قانون الإثبات لسنة 1993م ، ولم تثبت المطعون ضدهن أن هنالك خطأ في الوقائع الثابتة بالإعلام الشرعي . أما فيما يتعلق بما يدعيه محامي المطعون ضدهن من أن الإعلام السابق قد الغي ولا حجة له بعد الإلغاء فهذا القول مردود عليه وذلك لأن الإعلام الشرعي يظل قائماً غير ملغي ويحق لأي صاحب مصلحة أن يدخل فيه كوارث أو يخرج منه بعض الورثة بقضية تسمى إدخال أو إخراج وارث ؟ ويظل الإعلام في ما عدا ذلك باقياً لم يلغ . فيكون حجة في ثبوت وفاة المرحوم وتاريخ وفاته وفيما اشتمل عليه من ورثة لم يتم إخراجهم من الميراث وفيما اشتمل عليه من إقرارات وتنازلات . وعليه فإن قبول المطعون ضدهن بتقسيم التركة على الورثة الوارد ذكرهم بالإعلام السابق حسب الفريضة الشرعية يكون حجة عليهن.
لذلك أرى – إذا وافقني الزميلان المحترمان – أن نقرر إلغاء حكم محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء حكم محكمة الموضوع ونقرر استعادة حكم محكمة الموضوع القاضي بشطب الدعوى.
القاضي : إبراهيم حسن محمد أحمد
التاريـخ: 27/5/2001م

أوافق زميلي العالم الطيب الفكي موسى في كل ما ذهب إليه من تسبيب وتحليل ونتيجة والله نسأل الهداية والتوفيق انه سميع قريب مجيب.

القاضي : أميرة يوسف علي بلال
التاريـخ: 13/6/2001م

أوافق.












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:43 AM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : حصانة القاضي وحسن النية
المبادئ:

•قانون جنائي: اجتهاد القاضي بحسن نية واعتماده على رأي أحد الفقهاء مع وجود القانون الوضعي وعدم وجود نص صريح في القرآن والسنة يعفيه من المسئولية الجنائية.
• •قانون جنائي: حصانة القاضي متى كان حسن النية-ترفع عنه في حالة التلبس بالجريمة أو سوء النية المادة 45 من قانون العقوبات لسنة 1983م.
2/ القاضي الذي يبني حكمة بحسن نية على رأي اجتهاده من بين آراء الفقهاء مع وجود القانون الوضعي بعد أن لم يجد نصاً صريحاً وارداً في القرءان الكريم ولسنة، على الرغم من أن القانون لم يخول له ممارسة هذه السلطات إلا أن لا يكون مسئولاً جنائياً على نحو مماثل لدى استعمال السلطات المخولة له قانوناً بشرط توفر حسن النية.

1/ ليس صحيحاً أن القاضي يتمتع بحصانة مطلقة وفقاً للمادة 45 من قانون العقوبات لسنة 1983/ بل الصحيح أن بحظي بالحصانة متى كان حسن النية، ولذلك فإن القاضي الذي يخطئ في حكمه عمداً يجرد ويسلب من حمايته وحصانته القضائية ومن ثم يصبح عرضة للمساءلة الجنائية والمدنية وفق التفسير الحرفي للعبارات الواردة بالمادة 45 وفق ما ورد في المذكرة التفسيرية.
الحكم:

المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ هاشم محمد أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ الصادق عبد الله قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد المكاشفي طه الكباشي
م ع / ف ج/ 194/ 1406

المحامون: محمد عبد الله مشاوي
أحمد عثمان الحاج
الحـــكم
القاضي: على يوسف الولي.

الوقائع:
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة عن طريق الفحص الأستاذان محمد عبد الله مشاوي وأحمد عثمان الحاج محاميا الشاكي الفاتح عبد الرحمن أحمد ضد حكم محكمة استئناف الخرطوم المنشور في قضية حكومة السودان ضد المكاشفي طه الكباشي مجلة الأحكام القضائية سنة 1985 ص 147 والصادر بتاريخ 22/6/1985 والقاضي بشطب البلاغ رقم 6/35/1405 بمركز شرطة أم درمان الأوسط ضد القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي والقاضي أيضاً بإلغاء قرار قاضي جنايات أم درمان وسط الذي أمر بفتح البلاغ ضد القاضي السابق المذكور تحت المواد 138 و323 و 278 من قانون العقوبات 1983م وأسباب البلاغ كانت تتلخص في أن المتهم المذكور قد مارس سلطاته القضائية بسوء نية متجاوزاً بذلك البلاغ بسبب إدانة الشاكي المذكور في القضية رقم أ/ 82 /1984 أمام محكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان برئاسة المتهم القاضي السابق المذكور وعضوية العقيد سعد سيد أحمد والمقدم معاوية غندور تحت المادة 320(2) من قانون العقوبات سنة 1983 –جريمة السرقة الحدية وقضت عليه بقطع يده اليمنى من مفصل الكوع أي الكف والغرامة مبلغ 47.434 جنيه و628 مليماً وبعدم الدفع السجن لمدة ثلاثة سنوات وقد نفذت فيه عقوبة القطع في 1/6/1984م وكان الاتهام الوارد ضد الشاكي حالياً الفاتح عبد الرحمن أحمد والمتهم وقتئذٍ ينحصر تحت المواد 362و 351 و408 و410 من قانون العقوبات سنة 1983 وذلك لأخذه المبلغ المذكور من الخزينة العامة وتحويله لمنفعته الخاصة.
وتتحصل الوقائع في القضية رقم أ/82 /1984 في أن الشاكي المذكور في البلاغ بين أيدينا –كما ثبت لمحكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان –هو المحاسب المسئول في الفترة بين شهر 8/1980 إلي 12/1983 في مدرسة وادي سيدنا وهي الفترة التي حدثت فيها أخذ ذلك المبلغ المذكور ووضح للمحكمة أنه كان الشخص الوحيد الذي يقوم بإعداد كشوفات مرتبات المعلمين والعاملين بالمدرسة وإعداد فروقات علاواتهم وترقياتهم ويقوم أيضاً باستلام وتوريد أمنيات الكتب ويقوم كذلك بواجبات الصراف في صرف المرتبات خلال تلك الفترة كما ثبت أنه أدخل عدد أسماء تسعة أشخاص وهمية وأدراجهم في كشوفات المرتبات في خلال تلك الفترة المذكورة وكان يصرف تلك المرتبات بهؤلاء التسعة ويحولها لمنفعته الخاصة كما ثبت أم المذكور حول لمنفعته الخاصة فروقات المنحة والعلاوات والترقيات وفروقات أمنيات الكتب كما ثبت أن المحاسب المذكور يقوم بإعداد كشوفات المرتبات وإعداد فروفات العلاوات والترقيات ويقدمها لمدير المدرسة لاعتمادها والتصديق عليها.
وقد جاء في حيثيات محكمة الطورائ رقم (7) أم درمان في القضية رقم أ/82/1984 ما يلي:
(وترى المحكمة في تكييفها لهذا الفعل أنه جريمة سرقة حيث أن المتهم قد أخذ المال المختلس وبسوء قصد من حيازة شخص دون رضاه فالأخذ هنا قد وقع بناء على احتيال مارسه المتهم على مدير المدرسة بإدخال تسعة أشخاص وهميين ليسوا موظفين حقيقيين والأخذ عن طريق الاحتيال والمغافلة والتخلية والخلسة يعتبر صاحبه مختلساً في قول على الشريعة هو الذي يغافل صاحب المتاع أو يحتال عليه ويأخذ متاعه، وقد اعتبر القانون في المادة 320 (2) المختلس سارقاً لأن كلمة (أخذ) الواردة في نص المادة كلمة عامة مطلقة يدخل في المختلس والمنتهب والغاصب.
وقد قال أياس بن معاوية من فقهاء التابعين بقطع يد المختلس لأن المختلس يأخذ الشيء فيكون سارقاً وقد روى ذلك عن رسول الله (ص) كما ذكر بن رشد صاحب بداية المجتهد ونهاية المقتصد وحيازة الدولة للممال تعتبر حيازة حقيقية لهذا المال المختلس كان في حيازة الدولة وقد أخذ بدون رضاه لأن مدير المدرسة لو علم أن هؤلاء الموظفين وهميين لما أذن بالصرف وصدق عليه كما أن المتهم لم يكن المال في حوزته قبل أخذه حتى يعتبر أمين عليه أو مسيطراً عليه بل احتال على مدير المدرسة حتى صدق بالصرف. كما أن ملكية الدولة للمال لا تعتبر شبهة يدرأ بها حد السرقة فقد قضى أئمة كبار بقطع يد سارق المال العام فقد روي عن الإمام مالك بن أنس دار الهجرة وابن المنذر وابن حزم أن السارق من المال العام تقطع يده ...........ولذلك يكون المتهم قد خالف نص الموارد (320) (2) السرقة الحدية والمادة (408) التزوير لأجل الاحتيال والمادة (410) استعمال محرر مزور على أنه صحيح من قانون عقوبات سنة 1983....ولذلك قضت المحكمة بقطع يد المختلس عملاً بما ذهب إليه الفقيه التابعي اياس بن معاوية وعملاً بنصوص القانون نفسه)....
ينعى محاميا الشاكي على حكم محكمة الاستئناف بأنه جاء مخالفاً لصريح قول الرسول الكريم "لا يضيع دم امرئ مسلماً هدراً" حيث قضت بشطب البلاغ ضد القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي الذي حكم بقطع يد الشاكي لارتكابه جريمة اختلاس المال العام وكان مخطئاً في حكمه وقد بنى حكمه الخاطئ على اجتهاده في حين أن القاعدة الأصلية تنص بأنه لا اجتهاد مع النص ومن ثم فإن اجتهاد رأيه في هذه الحالة لا يعفيه عن المساءلة القانونية على خطئه وقال محميا الشاكي في مذكرتهما لهذه المحكمة في هذا الصدد ما يلي:
(مع احترامنا لقرار محكمة الاستئناف إلا أننا نختلف معها تماماً في استنادها على أن المتهم المكاشفي طه الكباشي قد اجتهد ذلك لأنه قد فات على المحكمة الموقرة بأن لا اجتهاد مع النص....الاجتهاد لا يأتي إلا في حالة عدم وجود النص سواء في القرآن أو السنة أن الإجماع ولكن هل القرآن أو السنة أوجب قطع الخائن أو المختلس. بالرجوع إلي كتاب الله الكريم نجد صريح الآية التي أوجبت القطع فقط على السارق....هذا ما جاء في كتاب الله عز وجل فقال قطع إلا لسارق....من هنا كان المتهم أن يقف ولا يتدرج في مصادر التشريع الجنائي الإسلام إذ أن هذه الآية قاطعة الدلالة ولكن على فرض أنه أخذ بالسنة فإن الرسول الكريم قال بأنه ليس على الخائن أو المنتهب أو المختلس قطع....كما تقدم ومع وضوح النص فلم يكن هنالك موجب للاجتهاد وذلك فإننا نرى بأن وصف محكمة الاستئناف بأنه اجتهد فأخطأ فهذا تفسير يجافي روح الشرع والحق بل ويجهض مصادر التشريع الجنائي الإسلامي إجهاضاً إلي حد الإهدار غير المتوقع)...
ويرى محاميا الشاكي أن محكمة الاستئناف أخطأت أيضاً عندما شطبت البلاغ استناداً إلي الحماية القضائية الواردة في المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983وقالا ما يلي:
(خلصت المحكمة إلي أن المتهم ينطبق عليه الشق الأول من المادة 45 لأن كان يمارس سلطات قضائية خولها له القانون كرئيس محكمة ينظر القضية المقامة ضد الشاكي وآخرين...ولهذا فلا مجال للحديث حول حسن نيته أو سوء قصده...أن محكمة الإستئناف....جزأت المادة إلي جزئين حتى خلصت إلي سوء النية أو حسن النية لا قيمة لها وهذا تفسير خاطئ لأن المادة القانونية وحدة واحدة ولو شاء المشرع تقسيمها إلي جزئين بالكيفية التي أخذت بها محكمة الاستئناف ...لكان المشرع قسمها...وعليه فإن استبعاد النية من المادة (45) فيما يختص بحالة المتهم المكاشفي فهو تغيب لاستلهام روح النص القانوني وأن محكمة الاستئناف ...قد أدخلت نفسها في مغالطة لا طائل منها وحتى على فرض صحة تقسيم المادة (45) إلي قسمين فإننا نعتقد بكل يقين بأن الشق الثاني ينطبق على حالة المتهم المكاشفي).
ويرى محاميا الشاكي أيضاً بأنه لا يمكن تطبيق مبدأ الحماية القضائية بموجب المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983م على فعل المتهم القاضي السابق في مرحلة التحري بل يجب إرجاء ذلك والنظر فيه في مرحلة المحاكمة لدى محكمة الموضوع فقلا ما يلي:
(ذكرت محكمة الاستئناف في قرارها بأن الدفع بالحماية القضائية استناداً إلي نص المادة (45) من قانون العقوبات يمكن أن يثار في هذه المرحلة أي مرحلة التحري... في تقدينا أن هذا فهم يخالف الواقع القانوني...لأن المادة (45) إحدى الدفوع المهدرة للمسئولية الجنائية لذا فإن أثارتها في هذه المرحلة ليس بذي جدوى ذلك لأنها تتعلق بإهدار المسئولية الجنائية لهذا يجب إثارتها في مرحلة المحاكمة أي بمعنى آخر يجب أن يستمر التحري وتقديم البلاغ للمحكمة وأن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف كان يجب أن تصل إليه محكمة الموضوع).
وينعى أيضاً محاميا الشاكي على حكم محكمة الاستئناف بأنه لم يطرح وجهة نظر الشريعة الإسلامية السمحاء حول الحصانة القضائية بل استندت إلي القانون الإنجليزي والهندي والأمريكي وذلك عندما جاء في مذكرتهما الملحقة ما يلي:
(نلاحظ أن محكمة الاستئناف الموقرة لجأت للقانون الإنجليزي والهندي والأمريكي أي قانون الكفار والمجوس يا ترى هي يرضى ذلك المكاشفي كي ينجده في حالة الشدة قانون المجوس والملحدين؟؟؟).
الأسباب
باستقراء مذكرة محكمة الاستئناف وأوراق محاكمة الشاكي في هذا البلاغ الذي نحن بصدده الفاتح عبد الرحمن أحمد-بالنمرة أ/82/1984 التي أجرتها محكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان برئاسة المتهم في هذا البلاغ القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي وبالاطلاع على مذكرة الفحص وملحقها اللذين تقدم بهما لنا محاميا الشاكي / أرى أن حكم المتهم القاضي السابق المذكور بقطع يد الشاكي المذكور أنه ثبت لمحكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان بأن الشاكي المذكور حول لمنفعته الخاصة مبلغ 47.434 جنيه و 628 مليماً من المال العام أي مال الدولة- فعل لا جريمة فيه بمقتضى نص المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983 ومن ثم أرى شطب طلب الفحص وتأييد حكم محكمة الاستئناف موضوع الفحص والقاضي بشطب أمر قاضي الجنائيات الذي قضى بفتح البلاغ المذكور ضد المتهم القاضي السابق المذكور.
سأناقش مبدأ الحصانة القضائية الواردة في المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983م على ضوء الشريعة الإسلامية الغراء والقانون الإنجليزي باعتباريهما المصدرين الأساسيين القانونيين لهذه المادة لأبين أن القاضي ورئيس محكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان السابق المكاشفي طه الكباشي لا يخضع للمساءلة القانونية والجنائية بسبب الحكم الذي قضى به أثناء مباشرته لسلطته القضائية بصفته رئيسً لمحكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان بمقتضى تلك المادة.
بادئ ذي بدء ينبغي أن أقرر –خلافاً لما يرى محاميا الشاكي-أن مجرد البدء في إجراءات فتح البلاغ أو تحريكها في مواجهة القاضي يعني مساءلته القانونية الجنائية لما يتعرض إليه القاضي من قبض ووضع في الحراسة رهن التحقيق وتفتيش وغير ذلك من الإجراءات الجنائية التي تهدر حريته وتقيدها وتؤذي كرامته وتجرح كينونته وذاتيته كإنسان وعليه فإن النظر بأن إثارة رفع الحصانة القضائية يجب أن يرجأ إلي بدء مرحلة المحاكمة وأنه لا يتعين ألا يثار في مرحلة التحريات نظر لا يمثل القانون الواجب الاتباع ذلك لأن حصانة القاضي تدرأ عنه من أول وهلة إجراءات البلاغ ضده والمثول أمام الشرطة كما تدرأ عنه أيضاً إجراءات محاكمته الجنائية والمثول أمام القضاء ما لم يرفع الشرطة كما تدرأ عنه أيضاً إجراءات محاكمته الجنائية والمثول أمام القضاء ما لم يرفع السيد رئيس القضاء الحصانة لتلبس القاضي بالجريمة أو لأسباب موضوعية أخرى تتعلق بإنجاز علمه القضائي بعد إجراء التحقيق اللازم وفقاً لقانون السلطة القضائية.
قد عرف الإسلام الحصانة القضائية منذ زمن طويل ومارس القضاة أعمالهم تحت مظلتها بضوابط معينة وأطر محددة فقد جاء في كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام تأليف العلامة برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن الإمام شمس الدين أبي عبد الله بن فرحون اليفمري المالكي الطبعة الأولي ص129-130 في حصانة القاضي وتشددها ما يلي:
(قال القاضي أبو إسماعيل ويحمل القضاء على الصحة ما لم يثبت الجور وفي التعرض لذلك ضرر بالناس ووهن للقضاة فإن القاضي لا يخلو من أعداء يرمونه بالجور فإذا مات أو عزل قاموا يريدون الانتقام منه بنقض أحكامه فلا ينبغي للسلطان أن يمكنهم من ذلك).
وجاء في نفس كتبا تبصرة الحكام الجزء الأول ص36 ما يلي:
(وقال ابن القاسم في القاضي يعزل فيدعي الناس أنه جار عليهم أنه لا خصومة بينهم وبينه ولا ينظر فيما قالوا عنه ألا يرى الذي بعده جوراً بيناً فيرده ولاشيء على القاضي).
وجاء في نفس كتاب تبصرة الحكام الجزء الأول ص 62 ما يلي :
(ولا ينبغي أن يمكن الناس من خصومه قضاتهم لأن ذلك لا يخلو من وجهين إما أن يكون عدلاً فيستهان بذلك ويؤذي وإما أن يكون فاسقاً فاجراً وهو ألحن حجته ممن شكاه فيبطل حقه ويتسلط ذلك القاضي على الناس).
أما في القانون الإنجليزي نجد أن الحصانة القضائية ضاربة في جذوة من زمن بعيد أيضاً قال اللورد ديننج في كتابه "الوسائل القانونية السليمة" تعريب هنري رياض قاضي المحكمة العليا وعبد العزيز صفوت ص 87-99 ما يلي:
(وعلى أن أبدأ بالقضاة أنفسهم فهم أيضاً ليسوا معصومين وهم عرضة للخطأ بما يسبب الظلم ... يمكن في أغلب الأحوال تصحيح خطأ القاضي بالاستئناف ... وقد تكون هذه الأخطاء ناجمة عن الجهل أو القصور وقد تؤدي إلي إصابة الخصم بالخسارة المالية أو القلق أو الضرر .......ذلك أن أحداً لا يخطر له على بال مساءلة القاضي شخصياً عن خطأ برئ ولكن لنفترض أن قاضياً أخطأ بسبب سوء الدراية ونجم عن ذلك أن حبس شخص خطأ في السجن ، فهل تجوز مقاضاة القاضي شخصياً عن الأضرار؟...(منذ 1613-أن لم يكن قبله-والإجماع منعقد في ظل القانون على عدم جواز قبول دعوى ضد القاضي بسبب أي فعل أو قول يقع منه أثناء ممارسته لسلطاته المخولة له)...
فالألفاظ التي يتفوه بها مشمولة بحصانة مطلقة والأوامر التي يصدرها والعقوبات التي يوقعها لا يحص أن تكون محلاً لدعوى مدنية ضده ولا يؤثر في شئ أن القاضي كان قد وقع في خطأ جسيم أو جهل بالغ...إذ لا يجوز مساءلته عن كل ذلك وإنما يكمن العلاج في لجوء الطرف المضرور إلي محكمة الاستئناف لطلب إطلاق السراح أو استصدار أمر لاستبعاد القرار أو الخطأ أو أن تتخذ الخطوة اللائمة لتقض حكم القاضي,
ولا شك أنه إذا كان القاضي قد تلقى رشوة أو أنحرف أيسر انحراف أو افسد سير العدالة فنه يجوز معاقبته أمام محاكم الجنايات وباستثناء ذلك فإن القاضي على أي حال لا تصح مقاضاته في دعوى التعويض ، وليس وراء ذلك تمتع القاضي بأي حصانة أو امتياز لارتكاب الأخطاء أو الظلم وإنما السبب تمكينه من أداء واجبه في استقلال تام، متحرراً من الخوف وقد أفصح عن ذلك بجلاء رئيس القضاء اللورد تنتردين في قضية جانيت ضد فيرناند 1827 حيث قال:
(أن هذا الإنفلات من الدعوى والتحلل من المساءلة قد اسبقه القانون على القاضي لدى نظره لقضايا الأفراد رعاية للصالح العام وحسن سير العدالة أكثر منه إكراماً للقضاة الذين يتحررهم من مغبة الدعاوى يضمنون حرية الفكر واستقلال القرار كما ينبغي من يتصدى لتسير العدالة).
وهذه المقولة لا تنطبق على قضاة المحاكم العليا فحسب بل على كل القضاة على اختلاف درجاتهم علياً ودنياً ....ففي هذا العصر الحديث أحب أن تكون شرعتي ومناهجي على النحو التالي:
(ليس لقضاة المحاكم العليا –من ناحية-أي حق في الحصانة أولى من حق قضاة المحاكم الدنيا فكل قاضي في هذه البلاد محكمته عليا كانت أم دنيا يجب أن يتمتع بنفس الحصانة وأن يخضع لنفس المساءلة فإذا كان السبب الكامن وراء هذه الحصانة هو ضمان أن يكون للقضاة حرية الفكر واستقلال القرار فإن هذا الأمر ينطبق على كل قاضي مهما كانت درجته فيجب حمايته من المسئولية عن التعويض متى كان ذلك ناشئاً عن عمله القضائي...وينبغي أن يمكن كل منهم من أداء واجبه في استقلا تام وتحرر من الخوف فليس عليه أن يقلب في صفحات مراجعه وجلا مرتعش الأوصال قائلاً:
"أتراني لو فعلت كذا مسئولاً عن الأضرار".
فطالما أدى القاضي واجبه باعتقاد صادق أن يمارس سلطاته المخولة له فإنه لا يكون محلاً لمساءلة بدعوى مدنية.
وقد يخطئ في الوقائع وقد يجهل حكم القانون وقد يتجاوز حدوده اختصاصاه ولكن ما دام يعتقد صادقاً أن الأمر داخل في اختصاصه فلا يجوز مساءلته فمتى أخذ بمثل هذا الاعتقاد الصادق فلا يكون عرضة للمسئولية ولا يجوز تكديره بالادعاءات القائمة على سوء القصد أو خبث الطوية أو التحامل أو ما شابهها وقد جرى العمل وما زال يجري على رفض الدعاوى القائمة على مثل هذه المزاعم. ولا شئ يجعل القاضي محلاً للمساءلة إلا إذا ثبت أنه تصرف على نحو غير قضائي علاماً بانعدام اختصاصاه بهذا التصرف...
أما الحصانة القضائية عندنا في السودان ضد مساءلة القاضي جنائياً عن الأخطاء التي يقترفها أثناء أداء عمله القاضي كمحكمة أو كعضو في محكمة تنص عليها المادة 45 من قانون العقوبات 1983 م كالآتي:
(فيما عدا حالات القتل الخطأ لا جريمة فيما يقع من الشخص عند مباشرته أعمالاً قضائية بصفته محكمة أو كعضو في محكمة مستعملا ً أية سلطة يخوله أياه القانون أو يعتقد بحسن نية أن القانون يخوله إياه)
ينطبق هذا النص كما قال الدكتور محمد محي الدين في كتابه قانون العقوبات السوداني معلقاً عليه بصفحة 66:
(على كل من يباشر القضاء كمحكمة أو كعضو في محكمة فيما يؤديه من أعمال قضائية في الجلسة أو في مكتبه ويدخل في ذلك القضاة......المحاكم المدنية والجنائية والشرعية ......والمحاكم المحلية الشعبية......والمجالس العسكرية وأعضاء هذه المحاكم)...
أجدني لا أرى كما ترى محكمة الاستئناف بأن القاضي وفقاً لنص المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983 يتمتع بحصانة قضائية مطلقة بلا ضوابط ولا قيود في قولها على صفحة 178 من المجلة القانونية آنفة الذكر.
(والحماية التي نصت عليها المادة 45 من قانون سنة 1983 هي حماية كاملة وشاملة لكل ما يصدر من أحكام وقرارات قضائية ولا ستثنى منها إلا حالة القتل الخطأ).
وذلك لأن حسن النية وفقاً لنص المادة 37 من قانون العقوبات سنة 1983م لابد من توافره على كل حال على النحو الذي سوف أبينه فيما بعد لدرء المسئولية الجنائية عن القاضي كما اختلف مع محكمة الاستئناف حول تقسيمها للحالات التي تنص عليها المادة 45 من قانون العقوبات 1983م كما اختلف معها أيضاً حول الحالة التي استظل بظلها القاضي السابق .
المكاشفي طه الكباشي من حالات الحماية القضائية الواردة في المادة المذكورة فقد قالت محكمة الاستئناف على صفحتي 178-179 من المجلة القانونية المذكرة الآتي:
(و بما أن الحالة التي أمامنا ليست حالة حكم بالإعدام فإنها مشمولة بالحماية القضائية المنصوص عليها في المادة 45 من قائل بأن المتهم لم يكن حسن النية عندما أصدر حكمه موضوع الشكوى ولكن مسألة حسن النية وسوء النية أو القصد لم ترد في الشق الأول من المادة 45 من قانون العقوبات والتي تنقسم إلي شقين أساسيين أولهما شخص يباشر أعمالاً قضائية بصفة محكمة أن عضو محكمة ويعتقد مجرد اعتقاد بحسن نية أن القانون يخوله تلك السلطات.
في الحالة الأولى يمارس الشخص سلطات يخوله إياه القانون وفي هذه الحالة مسألة حسن النية كشرط غير واردة حتى يطلب إثباتها طالما كان الشخص يمارس أعمالاً قضائية خولها له القانون-الحماية في هذه الحالة مطلقة.....ولكن في الحالة الثانية وحينما يباشر أعمالاً قضائية دون أن يخوله القانون إياه لا يستفيد من الدفع بالحماية القضائية ما لم يكن يعتقد بحسن نية أن القانون يخلوه مباشرة تلك الأعمال. والحالة الماثلة أمامنا ينطبق عليها الشق الأول من المادة 45 من قانون العقوبات ذلك لأن المتهم كان يمارس سلطات قضائية خولها له القانون كرئيس محكمة مختصة وينظر القضية الجنائية المقامة ضد الشاكي وآخرين ولهذا فلا مجال للحديث حول حسن نيته أن سوء قصده)....
فإني أرى أن الحالات الواردة في المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983 هي ثلاثة كآلاتي:
1/ خطأ القاضي المتعمد الإرادي الاختياري عندما يباشر أعمالاً قضائية بصفته محكمة أو عضو في محكمة.
2/ خطأ القاضي غير المتعمد وبحسن نية عندما يستعمل سلطات يخولها له القانون بصفته محكمة أو عضو في محكمة.
3/ خطأ القاضي غير المتعمد في حالة استعماله سلطات لم يخولها له القانون كمحكمة أو عضو في محكمة ولكن يعتقد بحسن نية أن القانون يخوله إياها.
1/ الخطأ الإرادي الاختياري
في هذه الحالة يباشر القاضي أعمالاً قضائية بصفته محكمة أو كعضو في محكمة ولكن يقع عمداً في خطأ بإرادته واختياره أي يتصرف بسوء قصد كما تنص على ذلك المادة 18 من قانون العقوبات سنة 1983 كالآتي:
(يقال عن الشخص أنه فعل شيئاً بسوء قصد إذا فعله بقصد الحصول على كسب غير مشروع لنفسه أو لغيره أو بقصد تسبيب خسارة غير مشروعة لشخص آخر).
فالقاضي يخطئ عمداً في حكمه عندما يجور ويشطط ويأتي حكمه منطوياً على الظلم والحيف واتباع الهوى وعدم النزاهة بسبب الفساد والرشوة و المحسوبية فيبرئ مذنباً ويدين بريئاً ويحل حكمه حراماً ويحرم حلالاً أي يجئ حكمه مخالفاً للقرآن والسنة ومجافياً للقانون الوضعي ويقول الله عز وجل محذراً نبيه القاضي داؤود عليه السلام في سورة (ص) الآية (26) من مغبة اتباع الهوى عندما يكون ذلك دافعاً للحكم:
(يا داؤود أنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.)
والقاضي إذا جار وفسد وظلم لزمه الشيطان فقال نبينا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم:
(إن الله مع القاضي إذا لم يجر وإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان).
وقال صلى الله عليه وسلم محذراً القاضي الجائر الظالم الفاسد:
(من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)
وقال أيضاً:
(قاضيان في النار وقاضي في الجنة).
فليس هناك حصانة للقاضي الذي يخطئ في حكمه عمداً بل يجرد ويسلب من حمايته وحصانته القضائية ومن ثم يصبح عرضة للمساءلة الجنائية والمدنية معاً فقد ورد في المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات سنة 1983م الفقرة الثانية ما يلي:
(أما الأفعال العمدية غير المبررة قانوناً فلا حصانة فيها لأحد)
وجاء في كتاب تبصرة الحكام المشار إليه سابقاً ص63 في القاضي الجائر والظالم ما يلي:
(وفي مختصر الواضحة وعلى القاضي إذا أقر بأنه حكم بالجور أن ثبت ذلك عليه بالبينة العقوبة الموجهة ويعزل)...
وقال الأستاذ معوض محمد مصطفى سرحان رئيس قسم الشريعة بكلية الخرطوم والمندوب من كلية الحقوق بجامعة فاروق الأول سابقاً في كتابه "المرافقات الشرعية" الطبعة الأولى 1371هـ 1952م ص249 ما يلي:
(أ/ا إذا قضي القاضي بالجور عمداً وأقر به فالضمان في ماله... في جميع الوجوه ويعزر القاضي ويعزل)....
والقاضي كما تنص المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983م –لا يستطيع أن يستظل بمظلة حصانته القضائية إذا ما أخطأ عمداً وهو يباشر سلطاته القضائية وقضى بالقتل فيقول الله تعالى في محكم تنزيله في الآية (93) من سورة النساء:
(ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً).
وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي تأليف عبد القادر عودة الجزء الثاني ص74 ما يلي:
(والقاضي إذا حكم بالإعدام على شخص ظلماً وهو عالم بذلك ومتعمداً اعتبر قاتلاً للمحكوم عليه عمداً)...
ففي البلاغ الذي بين أيدينا والشاكي فيه الفاتح عبد الرحمن أحمد والمتهم فيه القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي ليس هنالك أدني دليل على أن المتهم المذكور عندما حكم على الشاكي عندما كان يباشر سلطاته القضائية بقطع يده أخطأ في حكمه عمداً إرادياً وبسوء قصد وفقاً لمفهوم المادة 18 من قانون العقوبات سنة 1983كما أن الاتهام نفسه الموجه ضد المتهم المذكور لا يتعلق بعقوبة القتل وإنما بعقوبة قطع يد ومن ثم فإن المتهم المذكور ليس هنالك ما يبرر مساءلته الجنائية تحت الحالة الأولي من الحالات المنصوص عليها في المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983.
2/ الخطأ غير المتعمد وبحسن نية في حالة استعمال السلطات المخولة قانوناً:
في هذه الحالة يباشر القاضي أعمالاً قضائياً بصفته محكمة أو كعضو محكمة ويستعمل سلطات خولها إياه القانون ولكن يقع في خطأ بسحن نية-فالقاضي هنا يحكم وفقاً للقانون ولكن حكمه ينطوي على خطأ عادي ومألوف صدر منه بحسن نية وأن ذلك الخطأ يمكن علاجه وتداركه وتلافيه عن طريق الاستئناف والفحص وإعادة النظر والإلغاء والتعديل والتبديل بواسطة المحكمة الأعلى وليس في هذه الحالة ما يبرر تحريك إجراءات جنائية أو مدنية ضد ذاك القاضي فقد قال القاضي هنري رياض قاضي المحكمة العليا في القضية الدستورية (1) أسماء محمود محمد طه عبد اللطيف عمر حسب الله ضد حكومة جمهورية السودان مجلة الأحكام القضائية سنة 1986 ص192 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
(يثور التساؤل أشد إلحاحاً وإحراجاً هل يجوز رفع دعوى جنائية ضد القاضي الذي أصدر الحكم وهو يؤدي وظيفته كقاضٍ؟ وفي أي الحالات يجوز تحريك الإجراءات الجنائية ضده؟
لا شك إن القاضي كبشر ليس معصوماً عن الخطأ فإن أخطأ في الإجراء أن في التقدير الخطأ العادي المألوف فإن القانون يصوبه عن طريق الطعن إلي محكمة استئنافية أو عليا أي إلي محكمة أو محكمتين أعلى درجة وفق ما هو معروف ومألوف ومقرر في كل النظم القانونية الحديثة في العالم)...
فأرى أن محكمة الاستئناف قد جانبها التوفيق عندما قررت أن هذه الحالة التي يمارسها فيها القاضي سلطات يخولها إياه القانون تجئ حصانته القضائية مطلقة بلا قيود وقد رفضت توافر حسن النية كشرك لتلك الحصانة في حين أن ذلك واضح في النص القانوني الوارد في المادة 45 من قانون العقوبات كالآتي:
(لا جريمة فيما يقع من الشخص عند مباشرته أعمالاً قضائية بصفته محكمة أن كعضو في محكمة مستعملاً أية سلطة يخوله إياه القانون أو يعتقد بسحن نية أن القانون يخوله إياها)...
فجملة "بحسن نية" اكتفى المشرع بوضعها هذا بدلاَ من تكرارها لتكون واقعة بين كلمتي (مستعملاً وأية) ولو فعل المشرع ذلك لجاء النص بلغة ركيكة غير سائغة ولذا اكتفي بوضع جملة (بحسن نية) في وضع واحد من النص ولذا عندما يمارس القاضي سلطات قضائية خولها له القانون لا بد أن يمارسها بحسن نية وفي القانون "حسن النية" يعنى بذل العناية والاهتمام والانتباه والاهتمام والحرص والتثبت والتروي والحيطة والحذر فقد نصت المادة 37 من قانون العقوبات سنة 1983مبالآتي:
(لا يعقب الدفع بحسن النية عند فعل الشيء أو الاعتقاد فيه إذا حصل الفعل أو الاعتقاد بغير ما يجب بذله من عناية وانتباه)...
وفي قضية حكومة السودان ضد محمد أحمد نور الجليل نشرة الأحكام الشهرية يناير-فبراير-مارس سنة 1979ص209 قضت المحكمة العليا بأن حسن النية يقتضي بذل العناية والانتباه.
وقد ربط نص المادة 37 من قانون العقوبات سنة 1983م معنى "حسن النية" بالإهمال وجوداً وعدماً بحيث أن الفعل لا يكون بحسن نية إذا ما يعوزه بذل العناية والانتباه والحيطة والحذر والحرص والتثبت فقد جاء في كتاب القانون الجنائي السوداني-النظرية العامة للمسئولية الجنائية للدكتور عبد الله أحمد النعيم الطبعة الأولى 1986 ص93 ما يلي:
(وتشترط المادة 37 من قانون العقوبات للسلوك بحسن نية أن يكون قد تم بما يجب بذله من عناية وانتباه فليس للمتهم أن يزعم أنه تصرف بحسن نية لمجرد أنه لم ينبعث من قصد أو علم إجرامي أو لان أغراضه كانت برئيه أو نبيلة وإنما يجب أن يتسم سلوكه نفسه بالعناية والانتباه)...
وجاء في كتاب قانون العقوبات السودان معلقاً عليه المشار إليه آنفاً على ص 49 في شرح المادة 37 عقوبات ما يلي:
(لا يقال بأن الفعل قد أتاه الشخص بحسن نية ألا إذا كان قد أتاه مع العناية والانتباه اللازمين وعلى ذلك فالإهمال وعدم الاكتراث لا يتوافر معهما حسن النية).
والقاضي الذي يسبب حكمه على الوجه الأكمل السليم بأن يدعمه بالأسانيد والحجج والمسوغات والبراهين والمراجع الشرعية والقانونية الفقهية وبما جرى وأجمع عليه القضاء في المحاكم العليا-لا شك أن ذلك القاضي يحكم بحكم جاء "بحسن نية" أي بذل القاضي في حكمه العناية والاهتمام والحيطة والانتباه دون إهمال ولكنه يجوز مساءلة القاضي إذا أرتكب خطأ في حكمه ما كان له أن يرتكبه فيما لو أتخذ الحرص الكافي والتثبت التام والعناية الفائقة والاهتمام البالغ.
ولكن في هذا البلاغ الذي بين أيدينا لا تشمل هذه الحال الثانية من حالات المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983م حالة المتهم القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي لأن الاتهام ضده هو انه استعمل سلطات لم يخولها إياه القانون ولم يحكم وفقاً للقانون بل تجاوز سلطاته مما جعله يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون ومن ثم لا أرى حاجة بي لمناقشة تلك الحالة فيما يتعلق بمساءلة المتهم المذكور جنائياً.
3/ الخطأ غير المتعمد في حالة استعمال السلطات التي خولها القانون مع وجود حسن النية بأن القانون يخولها:
في هذه الحالة يباشر القاضي أعمالاً قضائية بصفته محكمة أو كعضو في محكمة ويستعمل سلطات لم يخولها إياه القانون ولكن يعتقد بحسن نية أن القانون يخوله تلك السلطات ويقع في خطأ غير متعمد - فالقاضي هنا يأتي بفعل على خلاف ما يقضي به القانون معتقداً بحسن نية أن القانون يخوله تلك السلطات ويقع في خطأ غير متعمد - فالقاضي هنا يأتي بفعل على خلاف ما يقضي به القانون معتقداً بحسن نية أي دون إهمال ومع التثبت والتحري والتحقيق بأنه متسق مع القانون ويشكل ذلك خطأ غير متعمد أو أن يأتي القاضي بفعل غير مخول له قانوناً كأن يحكم بعقوبة ليس خولاً له الحكم بها طبقاً للقانون يشكل بذلك خطأ غير متعمد.
فالقاضي الذي يبني حكمه على رأي اجتهادي من بين آراء فقهاء الشريعة الإسلامية السمحاء مع وجود القانون الوضعي بعد أن لم يجد نصاً صريحاً وارداً في القرآن الكريم والسنة المطهرة فإنه يمارس سلطات لم يخولها له القانون ولكننا نحسبه أنه اعتقد "بحسن النية" وفقاً لنص القانون المادة 37 من قانون العقوبات سنة1983 على نحو ما سلف بيانه-أن القانون يخول له ممارسة تلك السلطات لان "الاجتهاد في حد ذاته في معناه الموضوعي هو بذل العناية والاهتمام في التمحيص والتنقيب في الآراء الفقهية الشرعية المختلفة فهو الفهم فيما يختلج في صدر المجتهد مما لم يبلغه في القرآن والسنة ثم يقيس المجتهد المسائل فيعمل إلي أحبها إلي الله تعالى عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وصدقها واستقر إليها وركن لها الضمير الحي والوجدان السليم وأشبهها بالحق والعدل والإنصاف فيما يرى المجتهد وقد جاء في المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات سنة 1983 ما ستنفر القضاة إلي تأسيس الأحكام على الآراء الاجتهادية في المسائل التي لم ينص عليها القانون نفسه كالآتي:
(وجدير بالذكر أنه وبموجب حكم المادة 458(3) يجوز للمحكمة توقيع أي عقوبة إذا تبين لها وقوع مخالفة حد شرعي حتى ولو لم ينص على ذلك صراحة في القانون ذلك أن الشرع قديم وأن القانون هو مجرد عون يستهدي به لاستكشاف أحكام الشريعة الإسلامية فهي الأصل وهذا القانون مجرد دليل عليها)...
فالقاضي المجتهد الذي الذي قاده اجتهاده إلي الأخذ بأحد الآراء المختلف عليها بين الفقهاء فإن قضاءه مجمع على صحته طبقاً للقاعدة القائلة بأن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية يرفع الخلاف فهو اجتهد أي بذل العناية اللازمة لإصدار حكمه في تثبت وتروي فقد قال الأستاذ معوض محمد مصطفي سرحان في كتابه المشار إليه آنفاً على ص 237-238 ما يلي:
(حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية يرفع الخلاف، بمعنى أن القاضي إذا كان مجتهداً فأداه اختاره إلي اختياره إلي اختيار رأى من الآراء لم يكن لغيره من القضاة إذا رفع إليه هذا الحكم أن ينقضه ولو كان مخالفاً لرأيه بل عليه أن ينفذه لكونه قضاء مجمعاً على صحته، لما علم أن الناس على اختلافهم في المسألة اتفقوا على أن القاضي أن يقضي بأي قول مال إليه اجتهاده فكان قضاء مجمعاً على صحته ولأنه ليس على الثاني دليل قطعي بل اجتهادي وصحة قضاء القاضي الأول تثبت بدليل قطعي وهو إجماعهم على جواز القضاء بأي وجه اتضح له ولأن الضرورة تقتضي بلزوم القضاء المبني على الاجتهاد وأنه لا يجوز نقضه إذا لو جاز نقضه برفعه إلي قاضي آخر يروي خلاف رأي القاضي الثاني فينقض وهكذا فيؤدي إلي إلا تندفع الخصومة والمنازعة أبداً والمنازعة سبب الفساد وما أدى إلي الفساد فساد)....
وكان قضاء سيدنا داؤود وابنه سيدنا سليمان عليهما السلام من طريق الاجتهاد فجاء على ص270 من المجلد الثاني من كتاب صفوة التفسير تأليف محمد على الصابوني في تفسير الآيتين من سورة الأنبياء وداؤود وسليما إذ يحكمان في الحرث إذ تفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلما (79) ما يلي :
(قال المفسرون: تخاصم إلي داؤود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته لم يتبق منه شيئاً فقضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب فاخبراه بما حكم به أبوه فدخل عليه فقال : يا نبي الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع! قال وما هو قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض فيصلحها ويبذرها حتى يعود زرعها كما كان ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها فإذا خرج الزرع ردت الغنم إلي صاحبها والأرض إلي ربها فقال له داؤود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك قوله تعالى "ففهمناها سليمان".....
قال الحسن :
(لو لا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعذر داؤود باجتهاده)...أنظر كتاب تفسير القرآن زاد المسير في علم التفسير " للإمام أبي الفرج عبد الحمن بن الجوزي الجزء الخامس ص372.
فقال أبو سليمان الدمشقي :
(كان قضاء داؤود وسليمان جميعاً من طريق الاجتهاد ولم يكن نصاً إذ لو كان نصاً ما اختلفا) أنظر كتاب زاد المسير وعلم التفسير المذكور - الجزء الخامس حتى372.
والقاضي المجتهد أي من استنبط حكمه بحسن نية وفقاً لنص المادة 37 من قانون العقوبات سنة 1983م في المسألة المختلف عليها بين الفقهاء فإن أصاب فله أجران باجتهاد وأن أخطأ فله أجر باجتهاده في لب الحق فقال صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين:
(إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وأن أصاب فله أجران).
وجاء في كتاب تبصرة الحكام المشار إليها سابقاً ص (10) في القاضي المجتهد ما يلي:
(وأما من اجتهد في الحق على علم فأخطأ فقد قال عليه الصلاة والسلام (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر).
وبمثل ذلك نطق الكتاب العزيز في قوله تعالى وداؤود وسليمان إذ يحكما في الحرث إذ تفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليما وكلاً آتينا حكماً وعلماً" فأثنى على داؤود باجتهاده وأثنى على سليمان بإصابته وجه الحكم).
والاجتهاد فيما لم يوجد في القرآن العظيم والسنة الشريفة ينبغي تشجيع القضاة للتوجه إليه وممارسته ومقاييسه وأطره فقد قال عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في كتابه لعامله في الإقليم أبي موسى الأشعري ما يلي:
(الفهم الفهم فيما يتأجج في صدرك مما لم يبلغك به كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور على ذلك ثم أعمد إلي أحبها عند الله ورسوله وأشبهها بالحق) أنظر كتاب نماذج التراث الإسلامي حكم وإدارة-قضاء وقضاة-الأديب جعفر حامد البشير ص94.
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه أيضاً في حديثه إلي القاضي شريح حينما عينه قاضياً:
(أنظر ما في كتاب الله وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي فما قضى به أئمة العدل... أنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيت وإن شئت تؤامرني (تشريني) ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا ما هو أسلم لك)....
أنظر نفي كتاب نماذج من التراث الإسلامي ص(102) فقد كان توجيه سيدنا عمر للقاضي شريح أن يجتهد رأيه وكان عمر مستأنساً في ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم إلي معاذ بن جبل الذي بارك فيه اجتهاده رأيه في الحكم في حالة عدم وجود النص في كتاب الله وسنة رسوله وأضاف عمر هنا توجيه القاضي شريح للارتكاز في أحكامه على ما قضى به أئمة العدل قبله أي القضاء والفقهاء قبله.
وقال الأستاذ العالم دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء الأسبق في الإشادة بالقاضي المجتهد ما يلي:
(كل قضاء يصدر عن قاضي هو اجتهاد لتطبيق فرض الله وسنة نبيه أما بحكم قطعي أو سنة ثابتة أو قياس صحيح يستنبط القاضي الحكم وفق طرائق الاستنباط التي استقرت وضوابطها الدقيقة وهو في كل ذلك ينهل من تراث فقهي لا مثيل له من حيث الإحاطة والشمول والعمق وتعدد الأحكام في الواقعة الواحدة التي نشئت من اختلاف الظروف الزمنية والمكانية والأعراف أو من فهم المجتهد لما تضمنه النصوص لذلك لا بد أن يمتلك القاضي القدرة على الموازنة والترجيح والفهم الدقيق لكل واقعة من الوقائع)...أنظر كتاب نماذج من التراث الإسلامي المذكور أعلاه ص 85.
فالقاضي الذي يبنى حكمه القاضي على رأي اجتهادي من بين آراء الفقهاء بصفته محكمة أو كعضو محكمة مع وجود القانون لا شك أنه استعمل سلطة لم يخولها إياه القانون ولكنه اعتقد بحسن نية أن القانون يخوله تلك السلطة لأنه اجتهد الاجتهاد الذي يعني بذلك العناية والبعد عن الإهمال بالبحث عن الرأي المناسب بين الآراء المتباينة وفق الوقائع المطروحة أمامه فالخطأ الوارد في ذلك التصرف بمخالفة القانون الوضعي بالاجتهاد خطأ غير متعمد ومن ثم يستظل القاضي المجتهد بظل الحصانة القضائية بالحالة الثالثة من الحالات الواردة في المادة 45 من قانون العقوبات سنة 1983م على نحو ما سلف بيانه ومن ثم لا يكون هذا القاضي عرضة للمساءلة الجنائية.
ففي القضية رقم أ/82/1984 التي كان المتهم فيها الشاكي الفاتح عبد الرحمن في هذا البلاغ الذي بين أيدينا إدانته محكمة الطوارئ رقم (7) أم درمان برئاسة المتهم في هذا البلاغ القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي بجريمة السرقة الحدية وقضت عليه بعقوبة قطع يده اليمنى بعد أن ثبت أمامها بأن الشاكي المذكور حول لمنفعته الخاصة بعض المال العام الذي كان مؤتمناً عليه فكانت الجريمة المناسبة التي يتعين-حسب قانون العقوبات سنة 1983م - أدانته بها هي جريمة خيانة الأمانة بواسطة الموظف العام تحت المادة 351 من قانون العقوبات لسنة 1983م وعقوبتها التعزير وبذلك فقد أخطأ المتهم المكاشفي خطأ غير متعمد عند استعماله سلطات لم يخولها له القانون ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ويثور ما إذا كان المتهم المكاشفي معتقدأً بحسن نية وفقاً لنص المادة 37 من قانون العقوبات سنة 1983م بأن القانون يخول له تلك السلطة؟
الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب طالما إننا سنبين بأن المتهم المكاشفي طه الكباشي قد أسس حكمه على الرأي الاجتهادي وما قيل بأن ذلك الاجتهاد يجافي القاعدة التي تقضي بأنه لا اجتهاد مع النص فإن الرد عليه بأن النص المقصود هو النص الشرعي في القران الكريم والسنة المطهرة وليس النص الوضعي.
فقد كيف القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي فعل الشاكي الفاتح عبد الرحمن أحمد عندما حول الشاكي لمنفعته الخاصة بعضاً من المال العام الذي كان مؤتمناً عليه بوصفه محاسباً وصرافاً لمدرسة وادي سيدنا وقتذاك بأن جريمة سرقة حدية من الحكومة مرتكزاً على مذهب المالكية دون جمهور الفقهاء وذلك بعد أنه لم يجد في القرآن الشريف والسنة المطهرة نصاً يشير إلي أن السرقة بصفة خاصة من بيت المال تعتبر جريمة سرقة حدية عقوبتها القطع ولم يكن القاضي السابق المكاشفي مقيداً بقانون أو منشور بالالتزام بمذهب معين دون المذاهب الأخرى وكان أتباع القاضي السابق المكاشفي للمذهب المالكي في حكمه المذكور له ما يبرره لأن ذلك المذهب هو مذهب أهل السودان في جميع عباداتهم وأن ذلك المذهب يعتبر جريمة السرقة من المال العام جريمة حدية ولم ينص قانون العقوبات سنة1983 على ذلك فعلاً فلا تثريب عليه وفقاً لما ورد في المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات سالفة الذكر.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن أخذ المال العام خفية يشكل جريمة السرقة لعمومية النص الوارد في القرآن عن السرقة ولكن الخلاف بينهم وقع فيما إذا كانت تلك جريمة سرقة حدية عقوبتها القطع أم أنها جريمة سرقة غير حدية عقوبتها التعزير.
فقد قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل والشيعة الزيدية: من سرق من بيت المال-أي المال العام-أي مال الدول أو مال الحكومة بالتعبير الحديث لا قطع عليه لأنه مال العامة والسارق منهم لا بد له حقاً في هذا المال وقيام هذا الحق يعتبر شبهة الحق التي تدرأ عنه الحد لقوله صلى الله عليه وسلم:
"أدروا الحدود بالشبهات"
وخالف الإمام مالك رضى الله عنه في ذلك فأوجب قطع السارق من بيت المال أي المال العام أو من مال المغنم وذلك لضعف الشبهة في بيت مال المسلمين التي تدرأ الحد. ونجد المادة 173 (1) و (2) من مشروع القانون الجنائي سنة 1988 أخذا برأي الإمام مالك تنص على تعريف جريمة السرقة الحدية التي شملت السرقة من المال العام كالآتي:
1/ يعد مرتكبا جريمة السرقة الحدية من يأخذ بقصد التملك من حيازة شخص دون رضاه مالاً منقولاً مملوكاً للغير شريطة أن يؤخذ المال من حرزه ولا تقل قيمته من النصاب.
2/ يشمل المال المملوك للغير المال العام وأموال الأوقاف ودور العبادة.
والمادة 174 (1) من نفس المشروع تنص على عقوبة جريمة السرقة الحدية كالآتي:
(من يرتكب جريمة السرقة الحدية يعاقب بقطع اليد من كف المفصل).
وعليه فإن مشروع القانون الجنائي سنة 1988 عملاً بالمذهب المالكي جعل أخذ المال العام بقصد التملك في حدود النصاب الشرعي دون رضا الدولة يشكل جريمة سرقة حدية عقوبتها قطع اليد من كف المفصل وهذا ما ينص عليه قانون العقوبات سنة 1983م صراحة.
أن القول بأن الشاكي الفاتح عبد الرحمن قد اختلس بعضاً من المال العام وعليه فإن توقيع عقوبة القطع عليه مخالفة واضحة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :
(ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع).
يقودني إلي تبينا عدم صحة هذا النظر عندما أفرق بين معنى "السرقة" ومعنى "الاختلاس".
المختلس شرعاً هو من يأخذ المال مجاهرة معتمداً على السرعة وغفلة صاحب المال كالخطف من البيت أو من اليد فلا قطع وفقاً للحديث الشريف سالف الذكر وذلك لا مكان التحرز من خطره بالانتباه وأخذ الحذر أو الدفاع والمناهضة.
أما السارق هو يأخذ مال غيره خفية أي سراً وبدون علم فيصعب الاحتراز منه ولهذا شرع قطع يد السارق... فأخذ مال الغير خفية شرط أساسي في السرقة الحدية الموجبة للحد عند جمهور الفقهاء وقد خالف في ذلك إياس بن معاوية فأوجب القطع في الاختلاس بالمعني الشرعي المذكور.
ومهما يكن من أمر وحيث أن الشاكي الفاتح عبد الرحمن لم يختلس المال العام لأنه لم يأخذه بالقوة والمجاهرة والمكابرة بل سرقة لأنه أخذه خفية فإن عقوبة قطع يده لرأي المالكية على نحو ما أسلفت لا تجافي ما ورد في الحديث الشريف المذكور.
لهذه الأسباب جميعها أجد أنس المتهم القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي يستظل بظل الحصانة القضائية بالحالة الثالثة والأخيرة من الحالات الواردة في المادة45 من قانون العقوبات سنة 1983م على نحو ما سلف بيانه ومن ثم فإنه لا يصبح عرضة للمسائلة الجنائية عما ترتب على حكمه الاجتهادي المؤسس على مذهب مالك من ضرر للشاكي الفاتح عبد الرحمن احمد.
وعليه أرى شطب محكمة الاستئناف للبلاغ رقم 6/35/1405هـ الذي أمر قاضي جنايات أم درمان وسط بفتحه ضد المتهم القاضي السابق المكاشفي طه الكباشي جاء في محله ويتعين تأييده.
القاضي: هاشم محمد أبو القاسم.
التاريخ 1/11/1989.
أوافق: لا يسعني إضافة أي شئ على هذه المذكرة الضافية التي جادت بها قريحة موالنا العالم على يوسف الولي ولم يترك أي وارده إلا أحصاها بالحجج والبراهين الدامغة المؤيدة لكافة المراجع الشرعية والقانونية الملزمة بموضوعية تامة لتكون نبراساً يحتذى بالنسبة لمثل ظروف هذه القضية.
القاضي: الصادق عبد الله.
التاريخ: 4/11/1989م
أوافق: قد بذلت كل من هذه المحكمة ومن قبلها محكمة الاستئناف جهداً واضحاً ومقنعاً في معالجة هذا الطلب والطلبات السابقة له سواء من الوجه الشرعي أو الوضعي ولكيلا يكون هناك أدنى لبس في هذا الشأن فيجب لفت النظر إلي أن حكمي هذه المحكمة ومحكمة الاستئناف لا ولم يقصد بهما الفصل في صحة الحكم أو بطلانه شرعاً أو وضعاً إنما هذه الأحكام قد أمرت فقط بشطب البلاغ استناداً على الحصانة الشرعية والوضعية التي كان يتمتع بها القاضي موضوع الشكوى عندما اصدر أحكامه.












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:44 AM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم :نزاع عضو مجلس الإدارة ضد الشركة
قانون العمل لسنة 1997م – المادة (4) – تعريف العامل – عضو مجلس الإدارة – عدم إنطباق تعريف العامل – النزاع بين عضو مجلس الإدارة والشركة – عدم خضوعه لقانون العمل – المادة (77) وما يليها من قانون الشركات لسنة 1925م.
النزاع الذي ينشأ بين عضو مجلس الإدارة والشركة لا يخضع لأحكام قانون العمل لأن المادة (77) وما يليها من قانون الشركات لسنة 1925م تخرج عضو مجلس الإدارة عن تعريف العامل الوارد في المادة (4) من قانون العمل لسنة 1997م.

الحكم:

سعادة السيدة/ أميرة يوسف علي بلال
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / يوسف جاد كريم محمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / الطيب الفكي موسـى
قاضي المحكمة العليا
عضواً
الحكـــم

القاضي: يوسف جاد كريم محمد
التاريخ : 20/9/2006م

هذا طلب طعن بالنقض مقدم من الأستاذ/ اسحق القاسم شداد المحامي نيابة عن الطاعنة شركة غناوة لتجارة اللحوم . وذلك في مواجهة قضاء محكمة استئناف الخرطوم رقم أ س م/171/2006م الذي قضى بإلغاء الحكم الصادر من محكمة العمل بالخرطوم في الدعوى 1006/2005م والأمر بدلاً عن ذلك بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لسماع البينة وقد تحصل الطاعن على إذن بالطعن بالنقض من نائب رئيس القضاء المفوض بمنح الإذن . وقد بنى هذا الطلب على أساس أن حكم محكمة الاستئناف جاء مقتضباً وغير واضح . وإن تعريف الأجر الوارد بالمادة أربعة من قانون العمل لسنة 1997م لا ينطبق على المكافأة التي يتقاضاها عضو مجلس الإدارة وبالتالي فإن المطالبة موضوع الدعوى يحكمها قانون الشركات ولأن مطالبة الطاعن موضوع الدعوى مستندة لواقعة لم تحدث أصلاً . لأن الاجتماع العام للشركة وهو الجهة المناط بها تحديد مكافأة عضو مجلس الإدارة لم يقرر شيئاً في هذا الصدد.

وخلص الأستاذ/ مقدم الطلب من ذلك بأن طلب تدخلنا بغرض إلغاء حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه . هذا وقد رد الأستاذ/ الياس الطيب المحامي على طلب الطعن طالباً شطبه تأسيساً على أن الحكم المطعون فيه جاء وفق للقانون . لأن المادة الرابعة من قانون العمل تنطبق على وقائع الدعوى . لأن المطعون ضده لجأ للمحكمة للحصول على حقه لأن أعضاء مجلس إدارة الشركة المطعون ضدها لم يجتمعوا لإجازة توصية مجلس الإدارة.

هذا وبالإطلاع على الأوراق أرى أن عضو مجلس الإدارة لا ينطبق عليه تعريف العامل الوارد بالمادة الرابعة من قانون العمل لسنة 1997م ذلك أن العامل وفقاً لأحكام هذه المادة يقصد به كل شخص ذكراً أو أنثى لا يقل عمره عن (16) سنة في خدمة صاحب العمل وتحت إدارته أو إشرافه سواءً كان يعمل بعقد مكتوب أو شفوي صريح أو ضمني أو على سبيل التدريب أو التجربة الخ .. ما جاء بتلك المادة . في حين أن المادة (77) من قانون الشركات لسنة 1925م قد نصت في الفقرة (ب) عند الحديث عن القيود الخاصة بتعيين أعضاء مجلس الإدارة أو بإعلان أسمائهم بأن يوقع الشخص المراد تعيينه عضواً بمجلس الإدارة ويودع لدى المسجل إقراراً مكتوباً يتعهد فيه بأن يأخذ من الشركة عدداً من الأسهم لا يقل عن الحد الذي يؤهله لهذه العضوية إن وجد ويدفع قيمتها وذلك ما لم يكن قد وقع على عقد تأسيس الشركة بأن له فيها هذه الأسهم.

لذلك فإن نص المادة (77) سالف الذكر وما يليها من مواد والتي تحدثت عن مؤهلات عضو مجلس الإدارة وكيفية خلو منصب عضو مجلس الإدارة تخرج عضو مجلس الإدارة من تعريف العامل الوارد بالمادة الرابعة من قانون العمل لسنة 1997م . لذلك فإن النزاع الذي ينشب بين عضو مجلس الإدارة والشركة بشأن المكافأة لا يخضع لأحكام قانون العمل لأن عضو مجلس الإدارة كما أوضحنا أعلاه ليس عاملاً بل هو أحد أرباب العمل بالشركة المعنية بحكم امتلاكه لأسهم بتلك الشركة . لذلك فإن قضاء محكمة الاستئناف قد جاء بخلاف القانون . لذلك أرى أن يقبل طلب الطعن موضوعاً وأن يلغى بالتالي حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه وأن نأمر بشطب الدعوى برسومها تأييداً لحكم محكمة الموضوع.


القاضي: أميرة يوسف علي بلال
التاريخ : 25/9/2006م
أوافق.


القاضي: الطيب الفكي موسى
التاريخ : 29/9/2006م
أوافق.

الأمر النهائي:

1- يقبل الطعن.
2- يلغى الحكم المطعون فيه ويصدر بدلاً عنه حكم يقضي بشطب الدعوى برسومها تأييداً لمحكمة الموضوع.


أميرة يوسف علي بلال
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
30/9/2006م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
قديم 08-21-2012, 05:45 AM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
أبو عبدالعزيز
اللقب:
مساعد المشرف العام ورئيس قسم الاخبار القانونية
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية أبو عبدالعزيز

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 3357
المشاركات: 13,948 [+]
بمعدل : 10.02 يوميا
اخر زياره : [+]

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبو عبدالعزيز غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبدالعزيز

كاتب الموضوع : أبو عبدالعزيز المنتدى : منتديات القانون السوداني
افتراضي

حكم : تصرف طالب الإفلاس في أمواله
المبادئ:

• قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - الإعلان البديل – المادة (44) من القانون.
• قانون الإفلاس لسنة 1929م – قابلية التصرف للإبطال - المادة (49) من القانون.
1- ليس للمحكمة ما يبرر الشروع في الإعلان بالطرق البديلة إلا إذا تيقنت من فشل المدين في معرفة عنوان الدائن أو محل إقامته.
2- تصرف المدين في عقاراته وعرباته ومصاغ أفراد أسرته بالبيع قبل أشهر قليلة من تقديم طلب إعلان الإفلاس يقع في مجال المادة (49) من قانون الإفلاس لقابلية التصرف للإبطال ولابد أن تتم هذه التصرفات قبل سنتين من طلب إعلان الإفلاس.
الحكم:

المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد / محمود محمد سعيد أبكم قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / الصديق يونس إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / صلاح عبد الجليـــل قاضي المحكمة العليا عضواً
الحكــم
القاضي: محمود محمد سعيد أبكم
التاريخ: 18/6/2003م

في 5/10/2001م تقدم المطعون ضده بعريضة إلى محكمة أرقو العامة يطلب بموجبها إلى المحكمة إشهار إفلاسه وفقاً لقانون الإفلاس لعام 1929م وأرفق مع عريضته ما يتطلبه القانون المشار إليه من إقرار وتحديد للدائنين والمدينين وما لدى مقدم العريضة عند تقديمها ، أورد مقدم طلب إشهار الإفلاس في إقراره بالمديونية أن في ذمته لصالح الشركة مقدمة الطعن مبلغ 000/400/11 دينار سوداني.
باشرت محكمة أرقو العامة الإجراءات وأمرت بإعلان الدائنين والمدينين وفقاً لما حدده المدين في إقراره.
في جلسة 25/1/2001م دونت محكمة أرقو العامة بالمحضر ما يفيد بنشر إعلان المدينين والدائنين بجريدة الوفاق والجريدة الرسمية وذلك بموجب الإعلان القضائي رقم 1/2001م وفي نفس الجلسة أمرت المحكمة المدين بتصحيح الأسماء الواردة بالكشف الذي قدمه وحددت جلسة 7/11/2001م للسير في الإجراءات ، واصلت المحكمة السير في الإجراءات في جلسة 22/11/2001م دون إشارة لإعلان مقدم الطعن أو عدمه ، وفي هذه الجلسة أقر المدين عن طريق محاميه بقيام المدين ببيع منزلين يخصانه لشراء منزل لسكن عائلته بالخرطوم كما أن المدين قد تصرف بالبيع في عربتي لوري تخصانه وعربة بوكس ومصاغ بعض أفراد أسرته الذهبية وحدد الأستاذ محامي مقدم عريضة طلب إشهار الإفلاس بأن هذه التصرفات قد تمت قبل أربعة عشر شهراً من تاريخ تقديم عريضة إشهار الإفلاس ، وفي إقرار آخر أفاد محامي مقدم العريضة أن المدين قد نقل عمله من كرمه إلى البرقيق وأن مقدم العريضة قد أوقف نشاطه التجاري في 15/7/2001م وأنه تسلم بضاعة من أحد الدائنين قبل خمسة أشهر من تقديم العريضة.
في هذه الجلسة أصدرت محكمة أرقو العامة أمراً إلى المدين يلزمه بعدم التصرف في ممتلكاته وأمرت بإعلان الدائنين والمدينين لجلسة 13/12/2001م في هذه الجلسة لم يرد ذكر بالمحضر لإعلان مقدم الطعن ولا إشارة للرد على طلب الإعلان . تتابعت جلسات متتالية لم يرد فيها ذكر لأمر بإعلان مقدم الطعن وفي تاريخ 17/1/2002م ورد بالمحضر ما يفيد بعدم وصول إفادة من الخرطوم بشأن إعلان مقدم الطعن أو الأمر بذلك في المحضر وحددت المحكمة جلسة 6/2/2002م لسماع أقوال المدين . وتم سماعه وفي ما يتعلق بمقدم الطعن لم يورد المدين تحديداً لمديونيته وتحدث فقط عن الظروف التي منعته من سداد ما عليه للشركة مقدمة الطعن وللدائنين الآخرين وقد جاء ذلك بصورة عامة. وحتى في الجلسات اللاحقة لم يرد ذكر لما تم بشأن إعلان مقدم الطعن.
وفي جلسة 5/9/2002م أصدرت محكمة أرقو العامة قرارها بقبول عريضة طلب إعلان الإفلاس وأعلنت إفلاس المدين وأمرت بإخطار جميع الدائنين بذلك .
تقدم الدائن مستأنفاً القرار لدى محكمة استئناف الولاية الشمالية وجاء قرارها بالرقم أ س م/210/2002م مؤيداً ما قضت به المحكمة العامة أرقو وبشطب الاستئناف أمامها . وطعناً في قرار محكمة الاستئناف المشار إليها قدمت إلينا عريضة الطعن هذه . علم مقدم الطعن بالقرار في 2/1/2003م وتقدم بمذكرة الطعن في 16/1/2003م وبالتالي فإن الطعن مقبول شكلاً لوقوعه خلال القيد الزمني المحدد قانوناً.
جاء في قرار محكمة الاستئناف موضع هذا الطعن أنه قد وضح لديها أن الدائن قد أعلن في شخص السكرتيرة التي رفضت استلام الإعلان بحجة عدم وجود مدير الشركة وخلصت محكمة الاستئناف إلى القول بأن الشركة الدائنة قد فوتت على نفسها فرصة الاعتراض وأن الدائن في مذكرة استئنافه أمامها لم يقدم ما يثبت وجود أموال لدى المدين لتهرب عن ذكرها.
كسند للطعن يرى الأستاذ مقدم مذكرة الطعن عن الدائن شركة حجار الوطنية للتبغ ما يلي:
1- لم يمنح الدائن الفرصة الكافية لإثبات مديونيته وحرم من الفرصة لإبداء رأيه حول عريضة طلب إشهار الإفلاس وفي هذا وفقاً لما يراه – إهدار للقانون وبالتالي لم تمنح الشركة الدائنة فرصة لمناقشة ما يدعي به مقدم العريضة المطعون ضده.
2- البينات التي أوردها المدين غير متماسكة وغير كافية لإثبات إفلاسه وأشارت إلى واقعة أن المدين قد غير محل عمله إلى مدينة أخرى ويعني هذا وجود رأس مال لديه لم يتحدث عنه . وطلب إلينا بموجب هذا التدخل لإلغاء قرار محكمة استئناف دنقلا وقرار محكمة أرقو العامة واستبدالهما بقرار يراعي متطلبات العدالة ويكفل حقوق الدائن قدمت مذكرة الرد على الطعن بواسطة الأستاذ مسند رمضان مسند المحامي وفيها يذكر بأنه لا يرى غباراً حول ما تم من إجراءات حتى إعلان الإفلاس ويطلب شطب الطعن.
وللقرار في الطعن أمامنا أرى أن أذكر ما يلي:
1- قيام المحكمة بسماع طلب إشهار الإفلاس في غياب أهم الدائنين ليس له ما يسنده أو ما يبرره . وما كان للمحكمة أن تلجأ لسبل الإعلان البديلة خاصة وأن الدائن " شركة حجار الوطنية للتبغ " من كبرى شركات البلاد ومقر إدارتها وأعمالها معـروف وما من صعوبة تحول دون الإتصال بها لإعلانها . كما يوضح ملف الإجراءات أن المحكمة لم تقم باتباع الإجراءات القانونية اللازمة والتي يحددها قانون الإجراءات المدنية لعام 1983م عند قبول طلب الإعلان بالطريقة البديلة وأول ما يبرر الشروع في اللجوء إلى الإعلان بالطرق البديلة تيقنت المحكمة من فشل المدين في معرفة عنوان للدائن ( مقدم الطعن ) أو معرفته لمحل إقامته . وهذا ما لا يتوافر واقعاً في حالة الشركة الدائنة وإن أدعى به المدين.
2- البون شاسع بين ما يرى الدائن أنه يستحقه في ذمة المدين وما أورده المدين من حقوق للدائن عليه في إقراره . وكان على محكمة أرقو العامة أن تضع احتمالاً كهذا في حساباتها وأن لا تلجأ للإعلان بالطرق البديلة بالسهولة التي قبلت بها طلب الإعلان عن طريقها.
3- وأهم مما سبق فقد أقر المدين وبعض دائنيه بأن المدين قد تصرف في عقاراته وعرباته ومصاغ بعض أفراد أسرته بالبيع قبل أشهر قليلة من تقديم طلب إعلان الإفلاس ، لم تعط المحكمة هذا الأمر الاهتمام اللازم في حين أن جميع هذه التصرفات تقع في مجال المادة (49) من قانون الإفلاس لعام 1929م . والمادة المذكورة تتحدث عن قابلية بعض التصرفات الناقلة للملكية من جانب المدين للأبطال وحددت هذه التصرفات بسنتين قبل تقديم عريضة إشهار الإفلاس ، والمدين بنفسه يقر بأن تصرفاته هذه تمت قبل أشهر من تقديم العريضة وكان من الواجب أن يسترعي هذا انتباه المحكمة وأن تجري بشأنه تحرياً دقيقاً لمعرفة الظروف التي تم فيها البيع ومن آلت إليهم الملكية بالبيع وهل هم من الدائنين حتى لا يكون فعل المدين مشوباً بشبهة تفضيل بعض الدائنين على البعض الآخر بسوء نية ، وإلى جانب هذا ، لم تعط المحكمة أهمية لما ورد من بينات حول نقل المدين مقر عمله إلى مدينة أخرى وكان على المحكمة التوقف لدى هذا الأمر وإعطائه ما يستحقه من الفحص والتمحيص فليس طلب إشهار الإفلاس باباً يولج منه المدين هروباً من المسئولية تجاه دائنيه وكان على المحكمة التيقن من العمل الجديد وطبيعته ومجال ربحيته وهل ما سيدره كافياً لمساعدة المدين في مقابلة التزاماته تجاه دائنيه ، وقانوناً ، لا يهم ما أدى إلى الإفلاس بقدر ما يهم تقييم ما بذله المدين من جهد لمنع حدوثه . وهذا ما لم يسترع انتباه المحكمة ولم تعطه ما يستحقه من أهمية.
لما تقدم – وخلافاً لما ذهبت إليه محكمة استئناف نهر النيل – أرى أن محكمة أرقو العامة لم تعط أمر إعلان مقدم الطعن ما يستحقه من أهمية ومتابعة وهي تقرر بشأن العريضة ولم تراع متطلبات قانون الإفلاس لعام 1929م والتي أشرت إليها بأعلاه ، ومن هذا يستوجب أن أرى بإلغاء قرار محكمة استئناف نهر النيل موضع الطعن وإلغاء قرار محكمة أرقو العامة بإشهار إفلاس المدين وبإعادة الأوراق لمحكمـة أرقو العامـة للسير في الإجراءات وفقاً لما تضمنته المذكـرة – هذا بالطبع إن وافق زمـلاء الدائرة الإجـلاء على ما أرى.

القاضي: صلاح عبد الجليل
التاريخ: 3/7/2003م
أوافق.

القاضي: الصديق يونس إبراهـيم
التاريخ: 6/7/2003م
أوافق.

الأمر النهائي:
1- يلغى قرار محكمة استئناف نهر النيل موضع الطعن.
2- يلغى قرار محكمة أرقو العامة بإشهار إفلاس المطعون ضده.
3- تعاد الأوراق لمحكمة أرقو العامة للسير في إجراءات التفليسة وفقاً لما جاء بهذه المذكرة.

محمود محمد سعيد أبكم
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
8/7/2003م












توقيع : أبو عبدالعزيز



عرض البوم صور أبو عبدالعزيز   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
متنوعـــــة, مجموعة, أحكام


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مجموعة أحكام مصرية متنوعة أبو عبدالعزيز منتديات القانون المصري 30 10-19-2014 12:33 AM
مجموعة أحكام أماراتية متنوعة أبو عبدالعزيز منتديات القانون الاماراتي 55 11-16-2013 05:12 PM
مجموعة أحكام عراقية أبو عبدالعزيز منتديات القانون العراقي 6 07-12-2013 01:23 AM
مجموعة أحكام جزائرية أبو عبدالعزيز منتديات القانون الجزائري 9 08-20-2012 11:16 AM
مجموعة أحكام يمنية أبو عبدالعزيز منتديات القانون اليمني 5 08-20-2012 11:12 AM


الساعة الآن 06:51 AM بتوقيت مسقط

أقسام المنتدى

منتدى القانون المدني @ منتدى قانون الجزاء @ منتدى العلوم السياسية @ القانون التجاري @ منتدى القانون الاداري @ منتدى قانون الاحوال الشخصية @ منتدى قانون تنظيم الاتصالات @ المنتدى القانوني العام @ ملتقى طلاب كلية الحقوق @ منتدى البرامج القانونية @ منتدى المحامين العمانين @ منتدى الاستشارات القانونيه @ منتدى القضاء العماني @ منتدى البحوث والكتب القانونية @ قانون المعاملات الإلكترونية @ استراحة القانوني @ منتدى قانون العمل @ ¤©§][§©¤][ قسم القانـــــون الخاص][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قســم القانــــون العــــام][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قسم كليـــــــــــة الحقوق][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ المنتدى القانوني العام][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ القسم القانوني المهني][¤©§][§©¤ @ ¤©§][§©¤][ قسم الاقتراحات والشكاوى][¤©§][§©¤ @ الاقتراحات والشكاوى @ منتدى الاخبار القانونية @ مجلس قضايا المجتمع @ قسم خاص بالقوانين واللوائح ، والاتفاقيات العمانية،والقرارات الوزارية @ قسم خاص بالحريات والحقوق @ ¤©§][§©¤][ المنتديات القانونية العربية والاجنبية ][¤©§][§©¤ @ قسم خاص بالاعلانات @ المنتديات القانونية الخليجية @ منتديات القانون المصري @ منتديات القانون العراقي @ المنتديات القانونية العربية @ Foreign Laws @ منتدى اقلام الاعضاء @ قسم خاص بالانشطة والفعاليات بالجامعة @ منتدى قانون الإجراءات المدنية والتجارية @ ¤©§][§©¤][ منتدى القوانين الاجرائية][¤©§][§©¤ @ منتدى قانون الإجراءات الجزائية @ المعهد العالي للقضاء @ الاخبار القانونية العربية @ الاخبار القانونية الاجنبية @ Omani Laws and Legislation @ منتديات القانون اليمني @ منتديات القانون الجزائري @ منتديات القانون السوري @ منتديات القانون التونسي @ منتديات القانون المغربي @ منتديات القانون الاردني @ منتديات القانون اللبناني @ منتديات القانون السوداني @ منتديات القانون الليبي @ منتديات القانون الاماراتي @ منتديات القانون السعودي. @ منتديات القانون الكويتي @ منتديات القانون البحريني @ منتديات القانون القطري @ قسم خاص بالقوانين العمانية . @ اللوائح والقرارات الوزارية . @ الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة . @ المنتديات القانونية العربية المختلفة . @ قسم خاص بالمشرفين @ قسم رسائل التوعية القانونية @



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir

HosTed By : W7YE4HOST.COM